دور الحزب
الشيوعي العراقي التنويري
عبد الرزاق الصافي
الاستاذ عبد الرزاق الصافي سياسي عراقي معروف، محامي وصحفي رئيس
تحرير جريدة "طريق الشعب" منذ صدورها علنية في 16/9/1973حتى
تعطيلها في 5/4/1979، وهو قيادي سابق في الحزب الشيوعي العراقي.
كان الحزب الشيوعي العراقي ، منذ نشأته، في اواسط ثلاثينات القرن
العشرين، مؤسسة تنويرية الى جانب كونه مؤسسة سياسية طليعية، تستهدف
تعبئة قوى الجماهير الغفيرة من عمال وفلاحين وكسبة وحرفيين ومثقفين
ثوريين في النضال من اجل تحقيق الاستقلال الوطني الناجز
والديمقراطية ورفع مستوى الجماهير المعيشي والثقافي ، وتخليصها من
الامية المستشرية، التي كانت تلف الغالبية الساحقة من ابناء الشعب
وخصوصاً النساء .
ولعل الصفة التنويرية للحزب تبرز، بوضوح ، من خلال التعرف الى
الرواد الاوائل الذين اخذوا على عاتقهم مهمة التصدي الجسور لتأسيس
الحزب الشيوعي سراً في ظل انعدام الحريات الديمقراطية الحقيقية ،
وخضوع الحكم للسيطرة الاستعمارية المموهة بإدارة اهلية، تمثل مصالح
الفئات التي تمالىء الاستعمار من الاقطاعيين والبورجوازية
الكومبرادورية والبيروقراطيين من رجال الحكم. الرواد الاوائل هؤلاء
كانوا مثقفين ثوريين ومناضلين في صفوف الطبقة العاملة حديثة
التكوين .
لم تـُُطق الفئة الحاكمة وجود الحزب . ولذا ركزت اجهزة امنها، التي
كان يديرها الضباط الإنجليز، جهودها للاجهاز على هذا الوليد الخطر
على مصالحها. حتى ان وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني قال ما
معناه ، عندما وجد بياناً سرياً من الحزب الشيوعي على طاولته ينتصر
للفلاحين،وكانت حكومته قد قضت لتوها على انتفاضة فلاحية في الجنوب:
" ان هذه الوريقة اخطر من الانتفاضة الفلاحية ".
وقد استطاعت اجهزة القمع الحكومية ان توجه ضربة قاسية للحزب عطـّلت
نشاطه لسنوات عدة . غير انها لم تستطع ان تطفىء الجذوة التي اشعلها
المؤسسون. إ ذ سرعان ما تلقف الراية مناضلون بواسل بقيادة باني
الحزب الحقيقي الرفيق الشهيد يوسف سلمان فهد ، الذين استطاعوا ان
يحولوا الحزب،خلال بضع سنوات، الى منظمة جماهيرية ذات جذور عميقة
في الواقع العراقي في اربعينات القرن الماضي.
ولا يتسع المجال ، الذي حددته هيئة تحرير " الثقافة الجديدة"،
للاسهاب في ذكر المبادرات الرائدة التي قام بها الحزب في المجال
الثقافي، من قبيل خلق المسرح الوطني الجاد، و تحريض المسرحيين
التقدميين على تقديم مسرحيات هادفة، ودعم الفرق المسرحية الطليعية
مثل فرقة المسرح الوطني العراقي والمسرح الشعبي وغيرهما. والتجديد
في مجال الادب والشعر ورعايته لرواد الشعر الحر وإصدار مجلة
"الثقافة الجديدة" ،التي كانت ولا تزال منبراً للفكر العلمي
والثقافة التقدمية، وتشجيع الفنانين التشكيليين في مجالي الرسم
والنحت ودعم تنظيماتهم، وتأسيس "رابطة المرأة العراقية" بقيادة
نزيهة الدليمي للعمل في صفوف النساء ومكافحة الامية السياسية
والثقافية بين صفوفهن، فضلاً عن العمل في صفوف العمال من اجل
ممارسة حقهم في التنظيم النقابي، والفلاحين في جمعياتهم الفلاحية.
ويكفي ان نورد، على سبيل المثال لا الحصر، أسماء بعض الوجوه
اللامعة في المجال الثقافي والفني والادبي لنرى كيف انهم في
غالبيتهم الساحقة من اليسار: شيوعيين وديمقراطيين ومثقفين ثوريين :
ففي مجال الشعر نجد الجواهري الكبير ومحمد صالح بحر العلوم وكاظم
السماوي ، ورواد الشعر الحر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي
وبلند الحيدري ، ورشدي العامل ومظفر النواب والفريد سمعان وعريان
السيد خلف.
وفي مجال القصة والرواية نجد عبد الملك نوري وشمران الياسري وذنون
ايوب وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحيي الدين زنكنه وعبد
الخالق الركابي .
وفي مجال المسرح والسينما نجد يحيى فائق وجعفر السعدي ويوسف العاني
وفخرية عبد الكريم (زينب ) وناهدة الرماح وخليل شوقي وسليم البصري
وسامي عبد الحميد .
وفي مجال الفن التشكيلي نجد جواد سليم ومحمود صبري وكاظم حيدر
ونزار سليم وفيصل لعيبي ولورنا سليم وعفيفة لعيبي ومحمد سعيد
الصكار.
وفي المجال الثقافي العام نجد صلاح خالص وصفاء الحافظ وعلى جواد
الطاهر ومهدي المخزومي وفيصل السامر وعزيز سباهي .
وفي مجال الصحافة نجد لطفي بكر صدقي وعدنان البراك وشريف الشيخ
وابراهيم الحريري وفخري كريم وفائق بطي .
ويقيناً ان المجال يضيق اذا اردنا ان نسهب في ذكر الرموز في هذه
المجالات وغيرها. ولذا لابد من التأكيد مرة اخرى ان ما اوردناه هو
على سبيل المثال لا الحصر ، وهو من الذاكرة لاغير.
ورغم الضربات القاسية التي تلقاها الحزب الشيوعي العراقي على ايدي
الحكومات الرجعية والدكتاتورية، وخصوصاً على ايدي انقلابيي شباط
ألآسود العام 1963 ونظام صدام حسين طيلة ما يزيد على العقدين من
الزمن ، وما سببه انحسار قوى اليسار عالمياً ومحلياً لاسباب لسنا
بصدد سردها ، فقد ظل الحزب الشيوعي في قلب المشهد الثقافي، وظل
الشيوعيون وأصدقاؤهم الكثيرون وكل المثقفين الديمقراطيين يتصدرون
المشهد الثقافي. وهم مدعوون اليوم بإلحاح الى رص صفوفهم وخوض معركة
التنوير في ضوء نتائج انتخابات مجالس المحافظات، التي دللت بوضوح
على التراجع الكبير للفكر الطائفي المتخلف، وبداية تنامي الوعي
الوطني العام بعيداً، الذي غطـّت عليه الانتماءات الطائفية ، الى
هذا الحد او ذاك، في السنوات السابقة.