دور المثقف اليوم

د. إبراهيم إسماعيل


د. إبراهيم إسماعيل أستاذ جامعي ومتخصص في الفسيولوجيا. أكمل دراسته الجامعية في كلية الزراعة والغابات، جامعة الموصل عام 1974. عمل في الجزائر واليمن الديمقراطية وسوريا والمجر، حصل على الدكتوراه عام 1990 من أكاديمية العلوم الهنغارية، وعلى دكتوراه العلوم من جامعة علوم الحياة السويدية عام 2006، حيث يعمل فيها أستاذاً (بروفسور) لمادة الفسلجة. نشر عشرات البحوث العلمية وله كتابين علميين، كما نشر عشرات المقالات في الشؤون السياسية والهموم الوطنية العراقية.

طيلة خمس وسبعين سنة مضت من تاريخ العراق الحديث، شكل صراع الحزب الشيوعي العراقي ضد التخلف، أبرز سمات المخاض الذي لم يلد عنه الفجر بعد، إدراكاً من الشيوعيين بأن التخلف كان وسيبقى دوماً حاجزاً بين اليسار وبين قاعدته الاجتماعية، وأرضية خصبة لتواصل التبعية والهيمنة الإمبريالية وتراجع الهوية الوطنية. وكان بديهياً أن لا يحقق ذاك الصراع نتيجة دون التفاعل مع وتوظيف مكونات الثقافة الوطنية، ومنحها مضموناً إنسانياً والاعتراف بأن الثقافة لا تعكس البنى الاجتماعية للسيطرة فحسب بل وتساهم في تشكيل وإعادة إنتاج هذه البنى. ومن هنا أعتقد بأن على الحزب مواصلة تمهيد مكانة متميزة للمثقفين في الرافعة الاجتماعية لمشروعه اليوم وفي المستقبل، عبر تعزيز مساهمة المثقف في رسم السياسة وفي التحديث، في تشخيص معنى التخلف، وتحديد المنهج النقدي الذي يكشف عن مساره التاريخي ويهتك الأستار التي يخلقها الخطاب الأصولي، وأخيراً في نقل أطرافا واسعة من الكتلة الشعبية من واقع السلبية الى الفعل المشاد على العقل. وإذا كان من أكثر المقولات في الفاشية تطابقاً مع واقع الثقافة العراقية اليوم ما قاله (رولان بارت) في درس السيميولوجيا من إن " الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، و إنما هي الإرغام عليه"، فإن كثرة من مثقفينا، ممن لم يستطيعوا التحرر من أسر الفاشية حينها، فتلوثت بعض أطراف أوراقهم بسخامها، هم الأحوج لأهتمامنا ورعايتنا في مساعدتهم لتطهير تلكم الأوراق مما علق بها من دنس. ويكتسب دور المثقف موقعاً أرأس في الحاجة لنشر المفاهيم العلمانية التي تقام عليها الدولة المدنية الحديثة والمتمثلة بمنع إنفراد معتقد ما بالسيطرة على الدولة وضمان حرية العقيدة وتحقيق المساواة بين المواطنين، وتنوير الملايين عن شكل الدولة المدنية الذي نتطلع اليه والذي سوف لا يتقاطع مع الدين الذي هو في جوهره نزوع للعدالة، بل سيتقاطع حتماً مع من تتعارض برامجه مع الديمقراطية، ومع من يخبيء فكره الشمولي تحت قباب دينية مقدسة، ويسعى للمحافظة على التداخل الوهمي بين أيديولوجيته ـ التي هي محض تفسير بشري سياسي للدين خاص به وبأتباعه ـ وبين الدين كمعتقد وكمكون أساسي لثقافة وشخصية الفرد العراقي. إن فك هذا الأشتباك لا بد أن يكون مهمة اساسية لكل المثقفين العراقيين.
إن للمثقف فرصة مهمة اليوم للتأثير، فلا ساحة لديه أرحب من ساحة الحزب الشيوعي. إن تطابق مصالحه الطبقية كجزء من الطبقة الوسطى التي تحطمت في العراق، مع برنامج العدالة الاجتماعية الذي يتبناه الحزب، وتناقض مصالحه وهو المعني بالمعرفة والمثقل بالمستقبل، مع عالم الرأسمالية المتوحشة التي حولت الأبداع الى سلعة وسلّطت مخالب البطالة والتمييز والعنصرية والاغتراب على المبدعين، وإنسجام نزوعه نحو التحرر، مرتكزات مهمة لهذه العلاقة.
من هنا تأتي مهمة توحيد المثقفين في الجبهة اليسارية لا كترف أو فعل ارادوي بل باعتباره حاجة موضوعية، ومن هنا يصبح أساسياً عدم الفصل بين السياسي والمثقف، لا على أساس التطابق فلكل منهما دور متميز بل على أساس برنامج مشترك، يتفاعل فيه السياسي المتلفع بالشعار والمثقل ببرامج الواقع مع المثقف المنشغل بتشخيص الأتي والمثقل بالمعرفة، فكما لم تكن هناك معرفة بلا مغزى، كان بائساً مصير برامج لم تعللها الفكرة.

**********************