ملف الراحل قاسم محمد

 

الفنان الكبير قاسم محمد ..... وداعا...

غابت النخلة ولكن الجيران لن يتفرقوا !

 

    في السابع من نيسان 2009 غيّب الموت المخرج المسرحي العراقي الكبير (قاسم محمد) إثر مرض عضال. هكذا، إذن، وبهدوء يشبه هدوء تلك الأضواء التي تنطفئ فيها الأنوار معلنة نهاية العرض المسرحي، غادرنا في رحلته الأبدية أحد أهم قامات المسرح العراقي التنويري والحداثي.

    ولد الفنان (قاسم محمد) في بغداد في 1934، وفي عام 1960 انضم الى فرقة المسرح الفني الحديث التي تعتبر واحدة من المحطات الأهم في حياته وحياة الفرقة، كما أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة عام 1962. وفي عام 1968 حصل (قاسم محمد) من معهد الدولة في موسكو على شهادة الدبلوم في الفنون المسرحية ليعود بعدها الى العراق وليسهم، عبر أكثر من مئة عمل مسرحي، في دفع المسرح العراقي الى الأمام مرسخا تقاليد مدرسة في الإخراج المسرحي تقوم على  استلهام التراث الحي للذاكرة الجمعية، وتركز على التجريب، وقبل ذلك كله تعتمد على تفجير طاقات الممثل وإعداده عبر التمرين.

    امتاز (قاسم محمد) بوعي مسرحي راق والرهان على المخيلة وإضفاء دور جديد لمتفرجه في العرض عبر تحفيز ذاكرته الجماعية واستحضار رموزها، وهو ما يمكن العثور عليه، دون عناء، في العديد من أعماله ومن بينها: " النخلة والجيران " و '' بغداد الأزل بين الجد والهزل '' و '' العودة '' و'' الشريعة ''، و " كان يا ما كان " و" طير السعد " و" رسالة الطير " وحكاية الأرض والإنسان والعطش و " الرجل الذي صار كلبا ".

    وما يتميز به (قاسم محمد) أيضا انه سعى جاهدا على توسيع دائرة المهتمين بالمسرح ليكون جماهيريا وليس للنخبة فقط، وبناء علاقة جديدة مع الفئات الفقيرة والمعدمة والمهمشة، المقصية عن الإنتاج والاستهلاك، التي شعر بانتماء حقيقي لها. وهكذا كانت الصدمة التي أحدثتها مسرحية " النخلة و الجيران " بشخوصها القادمة من " المجتمع المهمش " وأحداثها التي عكست الروح الشفيفة والمعذّبة في آن واحد. ففي هذه العمل، وليس وحده طبعا، قام مخرجنا الكبير بتفكيك طلاسم الحياة ورموزها وحلل تناقضاتها, وشرحها مستخدما مبضع المخرج المتمكن من حرفته، محركا شخوصه على خشبة المسرح, هادفا بذلك الى إعادة إنتاج الحياة بكل تناقضاتها وما تنطوي عليه من طقوس الثنائيات المعروفة: الفرح والحزن، الخيبة والأمل، البهجة و العويل، الكبوة والنهوض. ان النجاح المبهر لهذا العمل الدرامي الكبير، كما بالنسبة لأعماله الأخرى، دلّل على ان (قاسم محمد) كان قادرا على صناعة الفرح والأمل من رحم المعاناة وانسداد الأفق.

 

    كانت محطته الأخيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديدا في إمارة الشارقة التي قدم إليها في العام 1997 حينما دعته فرقة مسرح الشارقة الوطني للعمل معها. وهناك تُوج الراحل (قاسم محمد) في 31 كانون الثاني/يناير 2009 بلقب أبرز شخصية ثقافية للعام 2008 من قبل الدائرة الثقافية في إمارة عجمان تقديرا لإنجازاته ورحلته مع المسرحين العربي والعراقي.

    سيبقى المبدع الكبير (قاسم محمد) احد شيوخ خشبة المسرح العراقي بعالمها الزاخر ...  وستبقى طيوره في " رسالة الطير " التي أرهقها البحث والوجع، وستبقى " بغداد الأزل بين الجد والعزل " و " النخلة والجيران " وعشرات الأعمال الإبداعية تحفر بصماتها في ذاكرتنا الجمعية حينما ننظر الى الفن والمسرح كنشاط ثقافي رفيع وليس ساحة للتهريج والتضليل.

    عبر محاولاته المجتهدة حاول (قاسم محمد) أن يجيب عن أسئلة واقعنا المتمرد دوما... قال كلماته بشأن الحياة وإيقاعاتها ومشى تاركا لنا حكمة المخرج الحداثي والتنويري. ونحن من جانبنا نرد عليه بتحية الوداع الواجبة ونقول له: لقد رحلت النخلة العراقية الباسقة لكن الجيران لن يتفرقوا ... فما زالت أياديهم متشابكة، وسيظلون كذلك!

 

وداعا (قاسم محمد) الابن البار لمسرح الحداثة والتنوير .... وصادق مشاعر العزاء لعائلته وأصدقاءه وكل تلامذته وأحبته ومريديه.

---------

 

 

    واستذكارا لرحيل الفنان الكبير (قاسم محمد) تنشر " الثقافة الجديدة " نصا للناقد الأستاذ ياسين النصيّر بعنوان: قاسم محمد ...طليعي المسرح  ومدونه الشعبي، هذا إضافة الى عدة شهادات وفاء للراحل الكبير.