قاسم محمد ...طليعي المسرح ومدونه الشعبي
ياسين النصيِّر
ياسين النصيِّر، من مواليد1941
بمدينة القرنة/البصرة، وهو ناقد معروف وله العشرات من المؤلفات
النقدية، كما أنه مؤلف مسرحي وصدرت له سبعة أعمال في هذا المجال.
وله ستة كتب جاهزة للطبع من بينها:
الحروفية والحداثة المقيدة.
وإضافة الى عمله كناقد ومؤلف مسرحي، مارس الأستاذ النصيَّر نشاطات
أخرى من بينها عضوية الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء في العراق بين
عامي 1973- 1978، إضافة الى عضوية هيئات تحرير العديد من المجلات
والجرائد داخل العراق وخارجه.
"إني أواجه مشكلة التحدث عن الحياة المعاصرة لمواطنينا،(...)
وهدفي هو أن أعكس ولو الشيء القليل عن الناس الذين أتعرف عليهم وهم
يبنون الحياة الجديدة في المصانع والمزارع(...)وهؤلاء هم بناة
حياتنا المعاصرة التي يتوجب علينا التحدث عنهم(....) ولو كنت
متفرغاً لسافرت إلى أولئك الذين يعملون الآن في الصحراء يستخرجون
النفط ولعشت معهم ولكتبت عنهم بصدق أكبر"
قاسم محمد
1
تؤكد نبرة الاقتباس السابق لقاسم محمد الرؤية التقدمية التي تؤكد
على الارتباط بين الفن وحركة الواقع وتوجه المسرح نحو الحداثة وهو
ما طبع مسيرة قاسم محمد الفنية كلها، فكلمات مثل "مواطنينا- يبنون-
الحياة الجديدة- المصانع - المزارع- بناة- يتوجب علينا- التحدث
عنهم- يعملون في الصحراء- بصدق أكبر"...الخ،لم تكن مألوفة في أي
حوار أو حديث صحفي لأي مخرج أو مثقف عراقي، سنجد أن مثل هذه
المفردات سترافق عددا من الأعمال العراقية في السبعينات بعد أن أكد
قاسم محد السياق لها، خاصة الأعمال التي مهدت للتوجه اليساري في
الثقافة العراقية لأن يكون المسرح حاضرا لدى الجمهور العراقي الذي
تزايد حضوره بشكل ملفت.. أن مسرحنا العراقي كان يتحرك ضمن مرحلة
سادت فيها النغمة التقدمية في الفكر والفن، مما جعل توجه الثقافة
يومذاك نحو اليسار واضحا، وعندما انتكس اليسار بفعل ما أقدمت عليه
السلطات البعثية في نهاية السبعينات من هجمة على قوى اليسار، كانت
النتيجة أن دخل المجتمع مرحلة الحروب، وهيمنة حكم الاتجاه الواحد،
وكانت النتيجة هي ضياع وتشتت الطاقات الفنية وهيمنة المسرح التجاري
ثم المضاعفات لما نعيشه اليوم من حروب وكوارث.
2
إن أية قراءة للمسرح العراقي الحديث ستفرز للمخرج الطليعي قاسم
محمد مكانته الخاصة لا تؤرشَف فيها إنجازاته الفنية فقط، بل تؤرشَف
إنجازات المسرح العراقي الطليعية والتجريبية والفنية..ربما يعرفه
الكثير ممن شاهد أعماله وقرأ ما يكتبه، ولكن لم يكن قاسم محمد
مكشوفا لكل قراءة ومعروفا لكل مشاهدة ، ما يخفيه نصه نجده يشكل
علامة في التجربة، سأحاول هنا في هذه المقالة أن أتطرق إلى خصائص
مسرح قاسم محمد وشغله الفني الذي يمكنني اعتباره توجها طليعيا
للمسرح العراقي ككل.
ابتداء لم يكن قاسم محمد عاملا وحده في المسرح، فبعد
عودته من الإتحاد السوفيتي وجد أرضية أكثر رسوا للعمل المسرحي
المتقدم، فعلى صعيد التمثيل والتنفيذ والإدارة والتنظيم والمسؤولية
والإخراج والكتابة، وجد قاسم في هذه المجموعة فريق عمل ناضج بينهم
الممثل القدير يوسف العاني وسامي عبد الحميد وزينب وخليل شوقي
وناهدة الرماح وفاروق فياض ومي شوقي وأعضاء فرقة المسرح الفني
الحديث من الشباب. ووجد إلى جوارهم عدد من الكتاب على درجة عالية
من الحرفة والفهم: عادل كاظم وطه سالم ومحي الدين زنكنة
وغيرهم ووجد إدارة وتقنية وفنانين للبوستر والفولدر ووجد كاظم
حيدر ونجم حيدر وسعدون وغيره للديكور، وممن لم تحضرني أسماؤهم-
مع الأسف – الآن، وثمة مصممين جيدين للديكور. بدأ قاسم محمد العمل
مع فرقة محترفة، وبين جمهور طالع لتوه من حرب حزيران الخاسرة، وشعب
تقلبت به سنوات ما بعد ثورة تموز 1958 بين اليسار واليمين، وسالت
دماء وعلقت المشانق للوطنيين، ووجد كتاب رواية متطلعين، كما كانت
موسكو دار جيرة له مع أهم كاتب رواية عراقي هو غائب طعمة فرمان..وكانت
البداية ولادة مسرح واقعي / فني/تجريبي وتقليدي أيضا، كانت مسرحية
(النخلة والجيران) قفزة في الثقافة الفنية التي رست على
تجارب سابقة كثيرة قبلها، ولذلك جاء النص والإخراج والتمثيل
والجمهور مكتملاً. هذه الأرضية لم تكن متاحة لغير المبدعين، وقاسم
في طليعتهم..وقد أصلت مسرحية( النخلة والجيران) ما سبقها من تطورات
لكنها أكدتها كطرائق فنية ومنها:
2-1- إنها أدخلت الرواية إلى المسرح ليس بطريقة الإعداد العادي أو
ما يسمى بالتعريق، فقد كتب قاسم محمد نصا جديدا قائما على نص
الرواية السردي، فكشف عن البنية الدرامية في السرد، أن نصه الجديد
هناك في مواقع الصراعات الكبيرة.. ولأول مرة نرى المحلة الشعبية
كلها ممثلة في العرض، عمالها وعسكرها ونساؤها وعاطلوها والمشتغلون
بالسوق السوداء وأصحاب المهن الصغيرة، فقدم قاسم محمد لنا صورة عن
مدينة تتغير، وعن حس وطني يرفض الاحتلال، وعن فئات اجتماعية تصطف
مع حركات التحرر في العالم، وعن نوى ثورية منظمة، وعن فرن صمون
بديلا للتنور، وعن السيارة البديلة للعربة التي يجرها الحمار،
والدراجة بديلا للمشي حفاة.. بهذه النوى النهضوية عرّفنا قاسم محمد
عن الشكل الدرامي في مناطق السرد الشعبية، ولن يهمنا من يكون
السارد، العلني أو الضمني، ما يهمنا هو أن الصوت كان يصل للجمهور،
وأن الفعل كان يبنى بسواعد العراقيين، وأن محلة ستصبح مدينة متحولة
وجديدة..بالطبع سيواصل غائب طعمة فرمان هذه الثيمات في أعماله
اللاحقة: (خمسة أصوات والقربان والمركب) وغيرها، لكن قاسما
يكتفي بالرواية الأم (النخلة والجيران) ليبتدئ معه حلقة
التجريب والعلاقة بين السرد والدراما.
على مستوى التمثيل والإخراج، أكد هذا العمل الخصائص الأربعة
الباقية.
2-2- أسس هذا الغرض ثيمة المسرح الدوار، وثيمة الأمكنة المختلفة
وقد بنيت على المسرح، وأسست فن تجاور الحلقات والمواقع، وفي هذه
العملية الفنية أكد العمل وحدة الزمن لأفعال مختلفة تجري في آن
واحد، وهذه نقلة لا تجعل العرض يسير بطريقة مستقيمة، بل بشكل دائري
متعرج يتبع تطور الحدث ويتابع نمو الشخصيات والأفكار.
2-3- وأسس هذا العرض بداية لفن السينوغرافيا، حيث كان قاسم مهتما
بما أطلق عليه (فن العرض) وهو مصطلح كان الفنان الكبير سامي عبد
الحميد قد قاله في أواسط الخمسينات، وعمل عليه الفنان الكبير
إبراهيم جلال. فن العرض المسرحي، هو مجموعة المكونات الكلية للعرض
وقد تضافرت لتقديم العرض المسرحي بطريقة درامية جدلية، بمعنى أنك
ترى الفعل ونقيضه، ستتأكد هذه الطريقة ثانية في مسرحيات قاسم محمد
خاصة نفوس ومجالس التراث وبغداد الأزل ورسالة الطير وثلاثية
أوزفالدو دراكون.
2-4- وأسست تجربة النخلة والجيران تقاليد فنية للديكور والملابس
والإنارة لم تكن بمثل هذه التقنية،بالرغم مما سبقها من إنجازات
متقدمة في هذه الميادين، لعل أبرز سماتها التي كان عليها العرض
أنها تميزت بالبساطة والاقتصاد، شيء واحد يشير إلى ظاهرة كاملة،
دكان يشير إلى السوق، وسليمة الخبازة تشير إلى الأيدي العاملة من
النساء، وحمود العربنجي يشير إلى فئة العمال الشعبيين والدراجة
تشير إلى تحولات القرية والسيارة تشير إلى تحولات المدينة والخمرة
تشير إلى التهريب والعلاقة بالأجنبي والمظاهرة تشير إلى الثورية،
والمقهى تؤسس التقاليد الشعبية في الحوار...الخ.
2-5- وكان الإنجاز الخامس هو تطور فن التأليف ، حيث أصبح التعريق
طريقة فنية وشهد مسرحنا من المسرحيات المعدة عن روايات عراقية وقصص
عربية ومسرحيات أجنبية الكثير.. كنا جميعا نبحث عن نص جديد يخرج
مسرحنا من الواقعية النقدية إلى الواقعية الفنية، ثمة خطوات سابقة
كانت ناجحة جدا لعل (الطوفان)1965/1966 لعادل كاظم التي افتتحت
التعامل مع التراث الأسطوري واحدة من مؤسسات البنية التأليفية،
أعقبها بمسرحية (تموز يقرع الناقوس) 1968/1969 لتأتي (النخلة
والجيران) 1969/1970 لتؤسس بنية التأليف من النصوص المعاصرة،
والفرق بين العملين أقل من سنتين.. فشكلت نهاية العقد الستيني قفزة
في التأليف سنحصد ثماره في السبعينات والثمانينات.
3
الإنجاز الثاني الذي قدمه قاسم محمد على مستوى الإبداع، هو
التنظير الدرامي، لقد أصدر ثلاث بيانات فنية تنظيرية عن تجربته
الفنية، شمل بها (بغداد الأزل) و (مجالس التراث) و (النخلة
والجيران)، وفي كل بيان كان يصف خطوات التجربة والتجديد..
الإنجاز لم يكن تنظيرا فقط، بل تجربة فنية سبقته، كان همه أن
يؤسس مسرحا شعبيا (ان ما يؤرقني هو خلق مسرح شعبي أصيل يعود
بالمسرح المحلي إلى أصوله وإلى ما قبل المسرحية فاتحا طريقا جديدا
للمسرحية الشعبية وللعرض المسرحي الشعبي)كان ذلك جزء من بيانه عن
مسرحية بغداد الأزل..
درس قاسم في معهد موسكو الفني على يد يوري زفادسكي أحد
تلاميذ فاختانكوف، ويعتبر زفادسكي من الجماعة الفنية التي انشقت
على منهج ستانسلافسكي وأسست مع مجموعة جديدة تقودها تعاليم ومفاهيم
فاختانكوف والتي اعتمدت الواقعية الخيالية طريقة للعرض المسرحي،
جاء قاسم محمد بتعاليم الحداثة ليطبقها ويطورها بما يلاءم سياق
فننا الطليعي فأنتج جملة أعمال غيَّرت من سياق التأليف المسرحي في
العراق ومن ثم في العالم العربي.
لم تقف إنجازات قاسم محمد على التأليف والإخراج، وكنت أتابع
أعماله أثناء التمارين وبعدها وكل ما يتعلق بعمله الفني فوجدت فيه
مدرسة فنية مكتملة. لم يستمر قاسم محمد بتدفقه الفني والشعري
والتأليف فقد طرقت أبواب تجربته السياسة وجلب للعمل في الفرقة
القومية التي تأسست عام 1968 وتخلى عن فرقة المسرح الفني الحديث
التي تأسست عام 1952 لأسباب كثيرة أهمها المنح المالية والاحتواء
السياسي بالرغم من أن قاسما لم يكن منتميا لحزب السلطة، لكن خلافات
داخلية مع أعضاء فرقة المسرح الفني جعلته يبتعد، وفي ابتعاده لم
يخسر الكثير من تجربته الفنية ولكنه لم يطور ما أنجزه بعد عودته من
موسكو وإلى عام 1980، وهنا بدأت مرحلة جديدة تداخلت فيها موضوعات
التراث بالحرب بالحب بالإعداد ، وأهم عمل قدمه للفرقة القومية حسب
وجهة نظري هو (رسالة الطير)، هذا العمل الثري الهائل كان
يتحدث فيه عن الهجرة الداخلية المريرة للإنسان العراقي.
4
أعتبر مرحلة الإعداد المسرحي للتراث الحكائي واللغوي في تجربة
قاسم محمد واحدة من مراحل التحول الكبيرة في المسرح العراقي، وقد
فتحت آفاقا جديدة للإخراج والتمثيل والديكور لأن يخرج العرض عن
سياقات قديمة ترتبط مباشرة بأحداث الواقع، إلى سياقات جديدة ترتبط
بالثقافة والفكر والفلسفة والحداثة، وهو ما مكن العاملين في المسرح
من أن يجددوا في أدواتهم التعبيرية والفنية وأن ينفتحوا على تيارات
التجريب العالمية، وأن يؤسسوا فيه تيارهم الفني العراقي، كان قاسم
محمد في طليعة من استثمر هذا الاتجاه وتبناه في الحديث عن العمق
الدرامي في النصوص الشفاهية والحكائية..سنجد أن هذا الاتجاه سيتوسع
لاحقا في عدد كبير من المسرحيات العراقية.
حقق قاسم محمد فيه عملين كبيرين، هما: (مجالس التراث)
و(بغداد الأزل بين الجد والهزل)، سنجد أن لهذين العملين
سمات فنية متميزة نحاول هنا أن نعرج عليهما دون توسع في خصائصهما.
4-1- الميزة الأساسية لاستثمار التراث،كانت في تغيير مسار البنية
الفنية للنص، هنا نجد المشاهد واللوحات هي البنية للنص، والتجاور
بينها يلغي سياقا قديما اعتمدته بنية المسرحية التقليدية وهو
الفصول أو المشاهد المتتابعة، هنا بدأت الدراما تسلك طريقة التداخل
والتركيب، ملغية الزمنية والتاريخية ومؤكدة على حركة المجتمع في
الفعل وتحديد مساراته.
4-2- أصبحت العامة من الناس هم أبطال العرض المسرحي، وخرج النص من
القصور والبيوت الكبيرة إلى الشارع ليعود إلى قصور الخلافة كأحداث
مثارة خارجها،ليصبح الملوك والخلفاء والوزراء متلقين لمظاهرها
الشعبية ولأحداثها السياسية، الخروج هذا صاحبه تعميم الفن وتعميم
الحركة وشعبية الفعل واللغة، ومصاحبة الكوميديا والسخرية وظهور
الفنطازيا أسلوبا والتهكم طريقة للحوار. فما دام البطل هو الحكواتي
أو العيّار وهو من عامة الناس يكون الحدث غائرا في الذات الجمعية
للشعب، لذلك كانت الأفعال تتم بمجموعات وليست بأفراد، واختفى البطل
المصنوع والبطل الفردي وظهر البطل الفئوي والطبقي، وكل هذه
التحولات حدثت بفعل تجديد الرؤية لمفهوم العرض المسرحي الذي قارب
الاحتفالية والكرنفالية وسط تداخل الأصوات والحركة الجماعية، وتجدد
النص لتصبح اللغة والحكاية مواطن الدراما الجديدة.
4-3- مزج العرض بين الصالة وخشبة المسرح، هذا التداخل تحول من
المظاهر المشهدية إلى البنية الفكرية عندما كان الممثل من الجمهور
والجمهور هو الممثل، واكتسبت صيغة الحوار المتداخل بين القاعة
والخشبة سمة اجتماعية للعرض، كان الحاضر هو جدل العلاقة بين
الاثنين، حتى أصبحت هذه الطريقة ثيمة لعدد من عروض المسرح العراقي،
حتى تلك التي تعتمد البنية الفنية القديمة كمسرحية (هملت)
و(بيت برنارد ألبا) وغيرها. السمة الشعبية للتداخل كانت
تجمع بين زمنين: زمن النص الحكائي القديم وزمن النص الذي يشترك
الجمهور المعاصر به، ومن هنا كسبت الرمزية طاقة جديدة عندما أصبح
الحاضر موجودا في بطون التراث والتراث موجودا في سياقات الحاضر،
وبدأ الممثل يعرض هذا التداخل بطريقة السخرية والواقعية الخيالية.
4-4- بدت الكتابة تتعامل مع المكان الشعبي: مقهى-سوق- ديوان- شارع-
زقاق ...الخ فتحول المكان إلى شخصية، وظهرت لغته الباطنية، وبرزت
خصائصه وسماته الشعبية.. هذا مكان من العصر العباسي، وهذا من العصر
البابلي، وهذا معاصر،كما تضمن النص أشعارا من القديم وأخرى من
التراث الأسطوري وثالث من الحِكم والأمثال. بهذه الطريقة نهض
المكان التراثي القديم ليس بوصفه مكانا فيزياويا، بل متخيلا،
ومؤولا، فبدا معاصرا، إضافة إلى ذلك غيّر من سياقاته، كان بيتا
واقعيا أو مكانا تراثيا، ليصبح مكانا فنياً، وبزمنية غير مقاسة
بليل أو نهار أو مرحلة أو مدونه..أما الفصول فقد ألغيت واستبدلت
باللوحات والحكايات وهي طريقة مكانية أيضا،فالأمكنة الشعبية تمتلك
من حرية الحركة والتغيير ما يجعلها متحركة الأفعال، يصبح البيت
مضيفا ومكان محكمة وسوقا وزقاقا.. هذا التحول الصوري، هو تحول
حكائي، وبالتالي يلغي الفصول التي تتحدد بالمكان وبالزمان.
4-5- اكتسب مفهوم العرض سمة جديدة، غيَّرت سياقاته مفهومه القديم،
من أنه يتعامل مع النص لوحده، هنا يتعامل بدا تعامله مع مكونات
القاعة والجمهور والإعلان والبوستر والديكور والإنارة،ولكن عرض
اليوم هو نفسه في اليوم الثاني، ثمة إضافات وحذوفات من العرض، أنه
احتفالية مرنة يمكن أن تكون في السوق كمان شعبي أو في البيت أو
القصر أو المخيلة كسرير خاص،بمثل هذه المرونة تحولت مفردات العرض
من التنظير إلى التجسيد ، وبدأ قاسم محمد سيدا في تأكيد هذه السمة
في المسرح العربي.
5
النقلة الثالثة المهمة في مسيرة قاسم محمد كانت ترجماته وعروضه
لثلاثية (أوزفالدو دراكون) لفرقة المسرح الفني الحديث، في
هذه الثلاثية وقفنا على تجربة فنية جديدة تتلخص بما يلي:
5-1-بدأ مسرحنا العراقي يطل على مسرح أمريكا اللاتينية، بعد أن
طلَّ على المسرح الإنجليزي والألماني والروسي والأمريكي والفرنسي
والعربي، لقد بدأ أدب أميركا اللاتينية يصل إلينا عبر أشعار نيرودا
تحديدا، ثم ماركيز لاحقا،وفيه نجد اجتماع موضوعين نحن بأمس الحاجة
للتعامل معهما مسرحيا في العراق: الأول هو فضح هيمنة القوى
الرأسمالية على اقتصاديات الشعوب الفقيرة، والثاني هو النهوض
الثوري المتنامي في أمريكا اللاتينية لا سيما وأن تجربة شيلي وكوبا
في المقدمة الحية والمباشرة لهذا النهوض. هاتان القضيتان نتطلع
عراقيا إليهما لأننا كنا نخوض تجربة جديدة نختلف ونتفق معها، هي
تجربة الجبهة الوطنية وتأميم النفط وحركة اليسار المتنامية، لذلك
كان عرض المسرحيات الثلاث يشكل دفعة جديدة لمسرحنا الطليعي
والتقدمي.
5-2- وعلى مستوى التأليف كانت المسرحيات قصيرة، ما يجمع بينها هو
الفنية المركزة والقضية الاقتصادية والوطنية فكان العرض متدرجا في
الوعي، بحيث يصل بنا الفهم: أن الثلاثية كتبت كقصص أو حكايات عن
واقع يتطور وعيا، مهدت هذه المسرحيات لعروض أخرى اعتمدت الفصل
الواحد أو اللوحة الواحدة،وقد قدمت أعمال لمسرحيين وفرق في عدد من
اللوحات. البنية الفنية للعرض هو التنوع الحاصل في فهم دور اللوحة
فنياً في المواضيع، وفي الاستقبال، وهو ما جعل الجمهور في جو ثقافي
متنوع ومتعدد الأشكال عندما يرى مجموعة من الممثلين يقدمون عروضا
مختلفة،كما أسهمت هذه الطريقة في تنوع قدرات الممثلين والمخرجين
وتنوع الديكورات في الليلة الواحدة، بمعنى آخر ثمة خلق لجو مسرحي
تعمقت فيه مفاهيم العرض المسرحي وتوسعت أبعاده.
5-3- أكدت هذه المسرحيات وهي من إخراج قاسم محمد أن مسرحنا قادر
على تقديم التجارب الفنية الجديدة، وأن لدية كوادر إخراجية وفنية
وتنفيذية باستطاعتها أن تستوعب كل تيارات الحداثة العالمية وهو ما
وجدناه في عروض جديدة مثل (الصحون الطائرة)ولاحقا في عروض
الشباب أثناء الحرب وما بعدها. القضية الأساس أن الدرس الأكاديمي
انفتح أيضا على التجريب، فكانت عروض أكاديمية الفنون والمعهد توازي
تجربة ومغامرة ما تقدمه الفرق الفنية الكبيرة، ثم وسع التجريب
ليصبح سمة الحداثة في المسرح العراقي، لتختفي تماما المسرحية
التقليدية وبنية الفصول الثلاثة.
6
النقلة الرابعة والكبيرة تمت في مسرحية (رسالة الطير)،
في هذا العرض المميز كشف قاسم محمد عن أوراقه الفنية كلها،جمع بين
نصوص الطير للسهروردي ولابن سينا ولغيرة ليعمل منها نصه الحديث،
بمعنى أنه جمع بين التأليف والمرجعية التراثية، هنا تعود طريقته في
(مجالس التراث) و(بغداد الأزل...) إلى الظهور ثانية بعد غياب أكثر
من عشر سنوات، ومعها طريقته التوليفية في نصوص (اوزفالدو دراكون)،
في (رسالة الطير) تحث عن الهجرة وهي طريقة لكشف فكرة العودة إلى
الوطن، وفي حوار جانبي لي معه قال:كنا مهاجرين فعدنا، ولما عدنا
بدأنا بتقديم مسرح المهاجرين(برشت) مثلا..كانت هجرتنا من الداخل
إلى الخارج،ونتيجتها العودة للوطن.. لكن الهجرة الثانية القاسية
كانت من الداخل إلى الداخل، فليس ثمة عودة فيها، بل هي جدل
الهجرتين. (رسالة الطير) تحد ومجاورة لعرض بيتر بروك
في لندن الذي استمر ست ساعات. في عرض قاسم كان زمن العرض ساعة
ونصف تقريبا، وهو ما يلاءم سياق حياتنا القصيرة والمركزة في حين
عرض بروك استثمر ملايين الجنيهات كي يكتمل، نحن نعيش تجربة التجديد
ولكن دون سند مادي لها..عرض مسرحية ( رسالة الطير) كانت استراحة
محارب ومجرب وباحث ومنظّر، أنه يعود إلى حيث ابتدأ، إلى تلك الحياة
الشعبية التي يتمنى إليها ليقدمها بصدق، إلى المزارع والعامل في
الصحراء كي يصافحه بنص يتحدث عنه .. هل أكمل قاسم محمد دائرته
الفنية (برسالة الطير)؟ تلك الدائرة التي ابتدأت (بالنخلة
والجيران) وتعمقت في التراث الشعبي والحكاية ونصوص من موسكو
وأمريكا وتعريق لروايات وقصص، وممارسة في التمثيل والإخراج
والتنظير، ليقفل دائرته الفنية على نفسه،بـ (رسالة الطير)
المهاجر الذي لا يهاجر. وها نحن نشهد موته وهو في الهجرة، هل
نغيِّر من سياق (رسالة الطير) فنجعل منها هجرة إلى الخارج ثم
اللاعودة إلى الوطن؟؟ ربما فالكثير ممن اعتمد رسالة الطير طريقة
لوجوده وجد نفسه في لحظة أنه يهاجر إلى خارج العراق ليعود ثانية
بعد أن أجهضت أحلامه هناك وهنا..فالعراق ليس للمثقفين الطليعيين مع
الأسف..
ما بقي من أعماله الفنية ليست ذات قيمة- حسب مشاهداتي
المحدودة- فقد تركت العراق عام1991 ولذا لم أشاهد له أي عرض بعد
هذا التاريخ- أقول إن أعماله عن الحب والحرب وغيرها لم تسعف طريقته
الفنية بجديد، ولم تضف لتجربة المسرحية الواقعية الخيالية شيئا ذا
بال..
ورحم الله قاسم محمد الفنان والمناضل والإنسان والمفكر والصديق.
*************