سر البهجة الاستثنائية في عروض قاسم محمد

عدنان منشد

عدنان منشد من مواليد 1951، خريج كلية الفنون الجميلة/قسم المسرح، مخرج مسرحي ومؤلف، ويحرر صفحة    (مسرح) في جريدة الإتحاد .

 

    من الصعب أن أتذكر أبداً، جمهوراً مسرحياً عراقياً تبدو عليه أمارات الحبور والسرور الحقيقي، مثلما كنت أراه في عروض قاسم محمد، التي كانت تقدم بين الحين والآخر في مسرح بغداد، وأحيانا أخرى في مسارح معهد الفنون الجميلة والفرقة القومية للتمثيل ، ومن ثم فجمهور قاسم محمد في اعتقادي خليط من عامة الشعب اعتاد اغلبه ارتياد مسرح بغداد في البتاوين منذ النصف الثاني لعقد الستينيات من القرن الماضي ممن  يعشقون العروض المسرحية عشقاً. وبعضهم لا يكاد يترك عرضاً لقاسم محمد دون أن يحضره، ومن ثم كثيراً ما تجد عروض هذا المخرج المسرحي المعروف محجوزة قبل موعدها بأسبوعين في مسرح بغداد الذي لا يسع أكثر من 250 مشاهداً أو ليومين أو ثلاثة في مسارح العاصمة الأكثر تقبلا واتساعا للجمهور كمسارح( الرشيد- الوطني- الشعب).

 

    يأتي هذا الجمهور مبتهجاً وواثقاً من الحصول على ساعة أو ساعتين من المتعة والفائدة والجمال، على وفق  الزمن المقترح لهذا العرض أو ذاك من عروض هذا المخرج المعروف وبإمكان هذا الجمهور أن يفسر ما يريد ويحجب ما يريد ويخبرنا أيضاً بما يقترح من زينة البيان والبديع والمعاني ما يريد أيضاً، فيضيف كل هذا الى العرض العام وقاراً واحتراماً. ما سر هذه البهجة الاستثنائية في عروض الفنان قاسم محمد؟.

 

    هناك عدة أسرار لا سر واحد في انهماكات وشواغل هذا الفنان، أولها ان المسرح فيما اعتقد له سحر الفنون كلها وله طريقة في الارتباط بمشاعرك وذكرياتك.. انه أكثر الفنون عقلانية جمعاً  وتأكيداً في الوصول الى العدد الأكبر من الناس الأغنياء والفقراء والرجال والنساء، المتعلم وغير المتعلم بشرط وهو شرط جوهري لابد منه لكي يحدث المسرح أثره العجيب وهو ان يكون المسرح مسرحك أنت نابع من أرضك وناسك ممن تربوا ونشأوا في بيئتك وسمعوا ما سمعت من أصوات وورثوا ما ورثت من مشاعر. بهذه المقاييس كانت الضربة الفنية الأولى للفنان قاسم محمد من خلال  مسرحية( النخلة والجيران) التي أعدها عن رواية الأديب العراقي الراحل (غائب طعمة فرمان) بذات الاسم حال عودته من موسكو في العام 1968 ، التي تعد خلاصة مقطرة لحياة بغداد والمجتمع العراقي معا في مرحلة نهاية الحرب العالمية وبطاقم فني كبير من نجوم فرقة ( الفن الحديث) وهذا، هو السبب الأساسي لابتهاج الجمهور بها والذي بدونه ما كان باستطاعة قاسم محمد ان يلم ذات الطاقم في أعمال فنية كبيرة أخرى منها ذات منحى واقعي صارم أمثال( الحلم - أضواء على حياة يومية- حكاية الأرض والعطش والماء) ومنها ما يهدف الى التجريب ومنها(حكاية الرجل الذي صار كلباً - أمريكا .. أمريكا- أنا لمَنْ؟ وضد مَنْ ؟)  ومنها ما يهدف الى التراث بسقيه( الفلكلوري/ التاريخي) حيث قدم ( ولاية بعير - بغداد بين الجد والهزل - كان يا مكان- مجالس تراث رسالة الطير - تعلولة بغدادية) ضمن أجواء الاحتفالية الشعبية ولكن قاسم محمد نوع فريد من مخرجي المسرح العراقي، يشعرك في كل عمل أن لديه أحاسيسك نفسها، لا يستطيع ان يكتم فرحة لما يفعل وما يسمع ولديه قدرة فائقة على نقل عدوى شعوره الى من حوله : ممثلين وتقنيين ومشاهدين.

 

    لعل الكثير  من مشاهدي قاسم محمد في سن الأربعين والخمسين وقد استمتعوا في سني صباهم وشبابهم الى بعض عروضه التي تركت أثراً عميقاً في نفوسهم التي لا يمكن محوها مهما مر الزمن كما حدث لي شخصياً في سنوات السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات وهذه صفة أخرى لهذا الفنان لا أظن أن فناناً آخر يقارن المسرح فيه خصوصاً في تجاربه المسرحية المبكرة في مسرح الطفل في السبعينيات، وأنموذجها الساطع مسرحية(الصبي الخشبي) فضلاً عن تجاربه الأثيرة في مسرحية التراث في دعوة صريحة الى الاحتفالية العراقية.

 

***********