خواطرُ نثرية
مهدي
محمد علي
الشاعر مهدي محمد علي من مواليد البصرة خريف 1945، نشر أولى قصائده
خريف عام 1961. صدر له العديد من الدواوين الشعرية من بينها: رحيل
عام 78، البصرة .. جنة البستان (ذاكرة نثرية) 1998، إضافة الى
العشرات من القصائد المنشورة في الجرائد والمجلات العراقية
والعربية. عمل لعدة سنوات محررا لباب (أدب وفن) في مجلة (الثقافة
الجديدة) وعضوا في مجلس تحريرها.
هل رأيت الهُدْهُد؟!
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !*
حينَ كنا صغاراً نطلقُ هذه العبارة، مخاطِبينَ الهُدْهُد الذي لم
يرهُ أحد منا، وإذا كان منا واحد قد رآهُ، فمرة واحدة نادرة لا
يدري متى تتكرر!
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !
رأيتُ الهدهد مرتين وبعضَ المرة.. المرتان أستطيع ذكرهما، أما بعض
المرة تلكَ فهي وهمٌ لروحي.. الرؤية الأولى التي قُيّضَتْ لي كانت
رؤية نموذجية.. كنتُ في الخامسة أو السادسة من عمري، أَجولُ في
بستاننا المتاخم لمقبرة ( الخِضْر) في بصرة النخيل... رأيتهُ، عبر
ظهيرة صيف قائظة، ساكنة، (خانسة) تقف على نخلةٍ قصيرة من بستاننا
تطل على المقبرة..فَتَوقّفتُ مسحوراً بهذا الطائر الغريب، بتاجه
المهيب، وهيأته الجدية الرزينة .. وما هي إلا لحظات كالحلم حتى
غادر مكانه، وبقيتُ وحيداً مع ظهيرة ذلك الصيف البعيد ونخل البستان
الساكن ((الخانس)) !
الرؤية الثانية حَصَلَتْ بعد أكثر من ربع قرن، حين رأيتُهُ على
سياج البيت الذي أنا فيه في حيّ (خَوْر مكْسَر) في مدينة (عدن)
البحرية.. يعني أنني رأيتهُ في ( اليمن) بلده التقليدي.. وما هي
إلا لحظات حتى غادر الهدهد مكانه قبل أن استطيع مناداة أحد من
سكان البيت ليراه معي..لقد سحرتني رؤيتُهُ بعد كل تلك السنين،
فسمَّرتني في مكاني، ومضى الهدهدُ، فلقد كنتُ في الدهشة ذاتها
عندما رأيته أول مرة حين كنتُ طفلاً في السادسة من العمر، على تخوم
البستان، تخوم مقبرة(الخضر) في بَصْرَةِ النخيل!
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !
نطلقُها،وقد تعلمناها من الكبار الأقرب إلينا بالعمر، أما الطاعنون
في السن فإنهم لا يتعاطفون معنا في هذا الاحتفال الوهمي، فهم قد
دخلوا، منذ حين بعيد، في أن هذا الطائر هو من خَدَم النبي سليمان
بن داود، فلا كلام عن (الهدهد)إلا لسليمان:
((وتفقَّدَ الطيرَ فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين.
لأُعذَّبَنَّهُ عذاباً شديداً أو لأذبَحَنَّهُ أو ليأتَينَّي
بسلطان مُبين.
فمكثَ غير بعيد فقال أحطتُ بما لم تحطْ به وجئتكَ من سبأ بنبأ
يقين))
وهذا يعني أن غياب الهدهد عن حضرةِ سليمان غير وارد إلا بحجَّةٍ
دامغة! ..... أن بقية الحديث معروفة، والمهم هنا، هو الهدد الذي هو
عين سليمان على كل الأكوان.. هذا الطائر النادر الشكل، النادر
الوجود، أو الموجود دائماً - المفقود دائماً! أو الموجود من خلال
عدم وجوده بيننا!
***
قال المرحوم (أحمد شوقي) في حكايات شوقيات:
وقف الهدهدُ في باب سليمانَ بذلَّه
قال:يا مولاي كنْ لي عيشتي صارت مُملهْ
مُتُ من حَبَّةِ بُـرًّ أحدثتْ في الصدر غُلهْ
لا مياهُ النيـل ترويها ولا أمـواهُ دِجلَه
وإذا دامت قليلاً قتلتني شـرَّ قِتْلَهْ
***
فأشار السيدُ العالي إلى من كانَ حولَهْ
قد جنى الهدهد ذنباً وأتى في اللؤم فعْلَه
تلك نارُ الإثمِ في الصدر وذي الشكَوى تَعِلَّهْ
ما أرى الحبَّةَ إلاّ سُرقتْ من بيتِ نملَهْ
إن للظالم صدراً يشتكي من غير عِلَّهْ
***
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !
تعلمناها و ردَّدناها،وتعززتْ عند بعضنا برؤيته مرة لم تتكرر،
فرأسه الصغير يعلوه تاج أشبه بشفرة الطُبَر - فأس الحطاب التي تشبه
ما يعلو الخوذة عند فرسان الإغريق.. وربما كانت السكين هي منقاره
المعقوف المدبَّب!
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !
وتستمر حكاية (الهدهد) في حياتنا القديمة القائمة.. فعدا حكايته
المعروفة مع النبي سليمان، له حكاية معنا، فهنالك من يقول: إنك
تستطيع أن تحقق أصعب الأمنيات إذا ما أفلحتَ في قصةٍ مع الهدهد،
فنسأل: كيف؟!
فيقول العارف الذي لا يعرف أكثر مما يرويه لنا .. يقول: نستطيع ذلك
إذا أفلحتَ في صيد هُدْهُد - ومن ذا الذي يحظى برؤية هدهد كي يصيده
- ثم تجلس بين نخلتين على ضفة نهر يجري قرب مقبرة..فتذبح الهدهد
خلف ظهرك، وتسلقه خلف ظهركَ، ثم حين ينضج خلف ظهركَ، تفلَّسهُ خلف
ظهرك، ثم تلقي بعظامه في النهر الذي هو قدامك، فإنكَ سترى عظماً
يجري عكس جريانِ ماء النهر..
هنا ينبغي لكَ أن تُمسكَ بذلك العظم الذي يجري عكس التيار، لأنه هو
الذي إذا أمسكتَ به يحقق لك كل ما تريد..فمن ذا الذي يمكن له أن
يحقق مثل هذا الحلمّ ؟
سَـﭽينْ بِراسَك ... طُبرْ !
أيها الهدهد!
بصرةُ حلب
5/12/2008
* سَـﭽينْ :سكين..طبر:فأس الحطاب.
الناس أجناس
جدّي عبد اللطيف..خالتي (مَدِينَة)!
عبد اللطيف الحُمْران هو جَدَّي لأمي، لا أعرف عنه سوى أسمه
واللقب، إذ أنني لم أدركه، فلم أسمع عنه شيئاً من أحد ولا أعرفُ له
أثراً سوى أمي وخالي وخالتي، وكأسٍ زجاجية عتيقة أهدتها لي أمي حين
بلغتُ الحُُلم قائلة لي:
أراكَ يا ولدي تحبُّ الأشياء العتيقة، وهذه الكأسُ هي الوحيدةُ
المتبقيةُ من أثنتي عشرة كأساً هي هديةُ جدَّكَ(أبي) لي يوم زفافي
لأبيك.
... ثم تَأسَّفَتْ قائلةً: ولكنني، وأنا انظَّفُها، فَلَتَتْ من
يدي، فانثَلَمّتْ حافتها. فَطَيَّبتُ خاطرها قائلا: بالعكس يأمي،
فأنا أشكركِ لأن هذا يزيد هذي الكأس عتقاً على عتقها، وأنا سعيد
بهذا..ثم وَضَعْتُ تلك الكأس في أعلى عِلَّيين من مقتنياتي التي لا
يراها إلا أصفيائي، ممن أفتح لهم خزانتي الخاصة في غرفتي التي هي
دائماً في الطابق الثاني من أيَّ بيتٍ أقمنا فيه في بصرة النخيل!
جدي عبد اللطيف - كما أودُّ أن أروي حكايته الآن، وبعدما تجاوزتُ
الستين من العمر - يبدو لي واضحاً في وجهته المحَّمدية، فلقد سَّمى
ابنه البكر(عبد الرسول)،فيما هو من عبيد الله (عبد اللطيف)..ثم
سَّمى ابنتَه التي هي أمي (مكيَّة)، وواضح أنه سّماها هذا الاسم
تشرُّفاً بالسورِ القرآنية المكية، ثم سمَّى ابنَتهُ
التالية(مَدَنيَّة)،لأن السور المدنية جاءت بعد السور المكيَّة،
ممازجة لها، فكانت تمازجاً حقاً، مختلفاً مؤتلفا، بين طبائع أمي
الراكزة كالسور المكيّة ً، وطبائع خالتي المتدفقةِ كالسور
المدنية.. فكأن جدي عبد الطيف الحُمْران شاء أن يُعَمَّرَ بيتاً
ركنُهُ للرسول و زاويتاهُ لسُوَرِ قرآنه الكريم، ولكن خالتي
عُرِفَتْ باسم(مَدينَة)، فهل كان جدي عبد اللطيف سماها(مَدِينَة)
أم (مَدَنيَّة).. وفي كلتا الحالتين فإن عبد اللطيف جدي أراد -
قطعاً- التقُّرب إلى النبي الكريم في مكة وفي المدينة، ولقد كانت
خالتي(مَدينة) حصَّةَّ في مدينة البصرة، في الأربعينات والخمسينات
والستينات والسبعينات وحتى التسعينات من القرن العشرين.. تسعى في
مناكبها.. بسّامة رغم المأساة الدائمة، إذ أنها كانت الأقدر - من
بين كلَّ النساء - على جلي الغمامة مهما أعتمت الدنيا، وهي موجودة
في كل مكان مهما يكن الزمان!
لقد عاشتْ (خالتي) عمرها لأخيها (خالي)، وللناس جميعاً،
وبالمُطْلَق تسعى طولَ نهارها من صلاةِ الفجرِ حتى ساعةِ النومِ،
فالفجرِ ثانيةً،لخالي وللناسِ، كلَّ ..ظَلَّتْ (خالتي)ترعى(خالي)
منذ كان سلطاناً في المال والأعمال، حتى صار عزيز قوم لم يذّل، لأن
خالتي(مَدِينة) كانت حذوه، ولا تنطق إلا بما يطيَّبُ خاطره، وخاطر
الناس، كل الناس... ومات الخال، وظَّلت الخالةُ (مدينةُ) في
المدينةِ في مناكب حياتنا:
من مجالس العزاء في بيت(حاج أسود) والحسينيات، حتى الأعراس، ومن
الأعراس حتى فواتح البيوت التي تودَّعُ أبنائها، ومنها إلى مواليد
الرسول الأعظم..ولقد سمعتُ - وأنا في المنفى - أن إحدى رجليها قد
كُسِرَتْ.. فصارتْ تستعينُ بعكاز يعينها على الحركة ذاتها التي
ألفتها، وعاشتْ عليها، خدمةً لأختها الكبرى(أمي)، وخدمةً للناس
الذين تحبهم بفطرةٍ لم أعرفْ لها مثيلاً إلاّ في خالتي التي ماتتْ
وهي تبتسمُ، كما حدَّثوني!
بصرة حلب
1/2/2009
***
أهل الثلاثاء
ثمَّةَ في العراق،بل في البصرة تحديداً، بل في البيئة
الاجتماعية المحدودة التي نشأتُ فيها.. ثمةَ طائفة من الناس-
وعائلتي منها- لها اعتقادٌ بأن يوم الثلاثاء لا يصلح لأيّ شيء
جديد، فعليكَ أن تتجنَّب خلالَ يومِ الثلاثاء أموراً عديدة:
- حلاقة شعر الرأس.
- تفصيل الثياب،أو أي تفصيل آخر، إذ لا يجوز أن يتحرك
المقصّ خلال يوم الثلاثاء!
- الخياطة، حتى لو كانت ترتيقاً للجوارب!!
- أن تلبس ثوباً جديدا.
- أن تستحم فتُضْطَرَ لتغيير ثيابك!
فالثلاثاء هو يوم السكون كي لا يحصل ما لا تُحمدُ عقباه، فما عليك
إلا أن تمارس الأمور العادية جداً..الأمور التي لابد من حصولها
يومياً، أما الأمور التي فيها تجديد، فلا يجوز أن تمارسها في هذا
اليوم، وليس لك أن تسأل أو تتساءل :لماذا؟
فلكأنَّ الثلاثاء هو يوم السبت، إذ لو قَسَمنا الأسبوع الى قِسمين
باستثناء يوم الجمعة..ألا ترى أن الثلاثاء في القسم الثاني من
الأسبوع تقابل السبت في الجزء الأول منه،والسبت هو يوم السُّبات،
أي المكوث والسكون حتى يحين التحوُّل الجديدُ في النصف الأول
الذي هو يوما الأحد والإثني، ثم يأتي الثلاثاء مرادفاً للسبت،
فيكون يوماً للمكوث والسكون قبل الدخول في النصف الثاني من الأسبوع
الذي هو الأربعاء والخميس، أما الجمعة فهو يومٌ خالصٌ لذاته!
.. وإذا كان يومُ السبت مكوثاً وسكوناً عند اليهود، فالثلاثاء كان
يومَ المكوثِ والسكونِ لملَّةٍ لم تُعرَف كما عُرِفَ اليهود، لأن
أهلها((أهل الثلاثاء)) ليسوا دَيناً ولا مذهباً، بل هم أناسٌ لا
يعرفهم أحدٌ غيرهم، وإنما هم يعرفون أنفسَهُمْ بانتشاءٍ خاصًّ
بأنهم((أهلُ الثلاثاء))!.
بصرةُ حلب
16/2/2009
*****************