المربد بنسخته السادسة
حنون مجيد
حنون مجيد
قاص وروائي من مواليد 1939، نشر قصصه في الصحف والمجلات العراقية
والعربية، كانت أول قصة نشرت له عام 1969 في جريدة " النور
البغدادية " بعنوان: الصباح. كما له الاعمال التالية: مجموعات
قصصية، والمنعطف، ومغامرة في ليل الغابة. يعكف الآن على انجاز
روايته الجديدة " مملكة البيت السعيد "
يُعد مهرجان المربد الذي يقام في مدينة البصرة، مرة كل عام،
واحداً من أبرز المظاهر الثقافية في العراق، يلتقي على مناسبته،
مئات المثقفين من شعراء وكتاب ونقاد عراقيين وعرب وأجانب، يصدح في
اثنائه الشعر بأبهى حضوره، وتتلاقح فيه التجارب والرؤى والأفكار،
وتقام على هامشه جلسات للدراسة والنقد، وتصدر عنه صحف ومجلات وتوثق
فعالياته، غالباً، في كتب وصور وافلام.
واذا كانت الغاية من أقامته الاحتفال بالشعر في الشعر وكسر بعض
الرتابة التي قد تسود الساحة الأدبية، وإطلاق عنان الفعالية
الثقافية نحو ما يعززها ويحرك دمها كل عام، فهو في الوقت عينه،
عودة الى البعد التأريخي لهذا الحدث الكبير يوم كان يتفاخر على
أرضه الشهداء ويتخاطب الخطباء، فالمربد سوق ظهرت: " مع تمصير
البصرة في الثلث الأول من القرن الهجري الأول، نسخةً من عكاظ،
السوق التجارية الأدبية أيام الجاهلية، ولكن سوق المربد وبسبب
ديموغرافيتها وموقعها القريب من مراكز الحضارات القديمة والمنفتحة
على البحر، والواقعة على الطريق التجاري القديم الذي يربط شرق
العالم بغربهِ، قد أكسبت هذه السوق سمات جديدة، فلم تفتأ أن ظهرت
بمظهر جديد مختلف عن نسختها الأولى، ولم تمر فترة طويلة على ظهورها
حتى صارت هذه السوق التي تعج بالبضاعة وبحلقات المتجمهرين يستمعون
الى مفاخرات الشعراء ونقائضهم، صارت مركزاً قومياً للثقافة والعلوم
والآداب، ومستودعاً للذاكرة العربية وجامعة مفتوحة في الهواء الطلق
وعاصمة للثقافة...." (1).
والمربد، مهرجاناً لفعاليات شتى ، وبكل لبوس يلبسه، دليل حيوية
وعافية، ومهما تعددت مناسبات أقامته والغرض منها، فهو ظاهرة
الثقافة والأدب البارزة في العراق، فضلاً عما يحمل من اشارات الى
موقع البصرة الرائد منذ ذلك الوقت، موئلاً للشعر ومرتعاً للأدب،
حتى الآن.
ولعل المظاهر التي تترافق مع الدعوة اليه والأنغماس في أبهائه
وأجوائه ومن ثمّ النتائج المترتبة على ذلك، هي القياسات الكبرى على
نجاح هذه النسخة منه أو تلك، وهي قياسات لا تتعلق بالشعر وحده ولا
بالدراسات وحدها، إنما بالحصيلة الكلية التي يخرج بها المثقف،
سواء على مستوى التجربة الذاتية أم العامة، وهي حصيلة ليست قليلة
اذا افترضنا أن ما تحققه النفس السعيدة غير ما تحققه النفس
المغايرة، وهو ما كان يحققه هذا المهرجان في بعض جوانبه المتألقة،
وبهذا القدر أو ذاك.
انطلقت فعاليات مربد هذا العام بنسخته السادسة بحسب
التدوين الجديد تحت شعار: "البصرة حاضنة الثقافة العراقية -
دورة الشهيد كامل شياع" والمحتفى بـه ، الشاعر عبد الوهاب
البياتي.
اشتملت فعاليات اليوم الأول التي أقيمت على قاعة المركز
الثقافي النفطي في البصرة، على حفل الأفتتاح، بحضور رفيع المستوى
للحكومتين المركزية والمحلية، كان على رأسهم الأستاذ طاهر
الموسوي والاستاذ فوزي الأتروشي وكيلا وزارة الثقافة مع
عدد من اعضاء البرلمان ومحافظ البصرة ورئيس مجلس محافظة البصرة مع
عدد من المديرين العامين في وزارة الثقافة وأكثر من 200 شاعر وأديب
من الداخل والخارج.
افتتح الحفل بتلاوة آيات قرانية، ثم جرى عزف نشيد
موطني اعقبته كلمة وزارة الثقافة قرأها الأستاذ فوزي
الأتروشي، ومما جاء فيها:
" نلتقي مجدداً على الضفة الخطره للشعر والفكر، والكلمة الطيبة
النيرة.. نلتقي في موقع هو الثغر الباسم لعراق يتجدد مليئاً
بالعنفوان وتراكمات حضارته العريقة و دوره الريادي في تجديد الشعر
العربي". كذلك جاء في كلمتة الاستاذ جبار امين، رئيس
مجلس محافظة البصرة: " ها هي مدينتكم بحدقات عيونها تستقبلكم،
كما هو عهدها معكم، مدينة البحر والشعر والجمال".
وقرأ الأستاذ فاضل ثامر رئيس الأتحاد العام للأدباء والكتاب
العراقيين كلمة الأتحاد، ورد فيها: " ها نحن نلتقي للمرة
السادسة على أديم البصرة الحبيبة عاصمة الثقافة العراقية لعام 2009
، لنحتفي بالبصرة والأبداع وبالثقافة العراقية البديلة ".
ومثّل الشاعر علي نوير رئيس أتحاد أدباء البصرة مشاعر الأدباء
البصريين حينما رحب بالحاضرين: " أهلاً بكم في مربدكم، وانتم
تحطون رحالكم في مدينة الجاحظ والخليل والسياب والبريكان..أنه
مكانكم الأرحب أيها الأخوة كما هو زمانكم الأكثر فيوضاً ودلالات."
اعقبتها وختام الكلمات جميعاً، كلمة السيد علي شياع
شقيق الشهيد الراحل كامل شياع، ثّمنَ فيها تسمية دورة هذا
العام بأسم أخية الشهيد، وعدَّ ذلك تكريماً ووفاءً للجهد الصادق
الذي كان يبذله الشهيد من أجل أعلاء كلمة الثقافة العراقية الحرة
ومشروعها التنويري الخلاق...
وقد عزف بعد كل هذا نشيد المربد من كلمات الشاعر هاشم تايه
وألحان الفنان أحمد ابراهيم، تقديم طلبة كلية الفنون
الجميلة قسم الموسيقى.
عقب ذلك قدمت فرقة مدارس الفراهيدي أوبريتاً غنائياً بعنوان "
شناشيل مربدية " انطلقت إثرها الجلسة الشعرية الصباحية.
كانت قصيدة الأفتتاح للشاعر البصري
كاظم الحجاج: " عجوز يحب مدينته بالأمس" عاد فيها
بالحضور الى بصرة الستينيات:
" انا لا أرى مدينتي الان أتذكرها حسب /انا
لا اعيش في مدينتي الآن، اسكنها/ فحسب
اتذكر الهوير أولاً حيث ولدت بالأمس/ (صالح بن
صريح) فحل الكنطار - جدي/ ما زال يطلق بندقيته الشوزني..."
والقصيدة إثارة بكاء ولوم واستعادة، تنطلق من حاضر غائم نحو
ماض منير، كانت البصرة فيه تتألق وترنو نحو مستقبل مشرق لائق لم
يتحقق لها حتى الآن.
وترنم الشاعر د. محمد حسين آل ياسين بقصيدته التي جاءت
تحت عنوان" خيمة المربد" :
أرايت الزمان قبلك دارا محرماً حول نجمة
واستجارا
أم عرفت الأرض المحبة ألقت نفسها تحت جامح
مضمارا
جاء بعده الشاعر منعم الفقير عائداً من منفاه بقصيدته" أنا
خطأ العالم".
هذا ليس عالماً / أنما شلة بلدان / هذه ليست بشرية/أنما حفنة
مجتمعات /
هذا ليس وطناً أنما ذرات تراب/ هذا ليس أنساناً/إنما قطرات ماء.
كما جاءت مشاركة الشاعر موفق محمد بقصيدة " الشهداء
يفركون راحاتهم " مهداة الى الشهيد كامل شياع، داء فيها:
لا نحفظ من درس التاريخ هنا شيئاً
فبالصدفةانت تموت وبالصفة تموت حياً
وجاءت قصيدة الشاعرة بلقيس حميد القادمة من مغتربها
النائي" عادت النوارس أما" معبرة عن خلجات نفس أكلتها
المنافي الباردة.
" ثلج ومنفى والعراق الحبيب عني بعيد / تشهق
الروح بالتياع وتطوى الليالي
ساعتها وتعيد / ها أنا اليوم كل حضني شموس
وفرات ودجلة وقصيد "
الشاعرة فليحة حسن بقصيدة" أسفي" شاركت وقالت فيها:
"على تاريخنا المائي / يأخذ شكل رؤوس
ملوكنا/ فيصير مقصلة/
وشتلات خراب ما صار يوماً شاطيء/ أو ظل
وردة/لابل نراهم
يفرشون ملاءة/ وصراخنا يغدو مخدة.."
والشاعر المغترب علي الشلاه، انشد قصيدته" الطاغية":
لقد هجموا بعد فصل الختام/ ونامت غرائزهم في
البراري/
وأنت وحيداً/ على وهمك المرمي أستويت .
كذلك انشد القادم من كردستان العراق، كردستان الجبل والسهل
والنبع، الشاعر فريدون بنجويني ، قصيدة بعنوان:" عازف
الأحجار ":
مرفقي/ داخل مقطوعة موسيقية ملغومة
وهي بسعة مزرعة/أمام قرية الشقائق.
عريان السيد خلف، الشاعر المدوي شعراً وصوتاً كان مسك
الختام بقصيدته المشهورة" القيامة"
وهكذا ينتهي هذا الفاصل الحاشد بالكلمات الواعدة المطئنة
والشعر المؤتلف والمختلف من الجلسة الصباحية يفصلها عن الجلسة
النقدية، افتتاح وكيل وزارة الثقافة فوزي الأتروشي، معرض جمعية
الفنانين التشكيلين فرع البصرة الذي ضم ثمانين عملاً فنياً بين
التشكيل والخزف والسيراميك والنحت، كما جرى افتتاح معرض للصور
الفنية الفوتوغرافية للمصور عماد التميمي ضم نحواً من ستين
صورة فوتوغرافية رصدت عالم الأهوار.
الجلسة النقدية الأولى تمحورت حول تجربة الشاعر المحتفى
به عبد الوهاب البياتي، ترأسها الناقد علي الفواز
وقررها الناقد زهير الجبوري وشارك فيها بحثاً واستعراضاً
النقاد: ياسين النصير، مسلم حسب حسن، علوان
السلمان، والدكتور جاسم محمد جسام، وقد انصبت خلاصات
هذه البحوث حول تقنية القناع في" اشتغالات البياتي الشعرية"
فجرى " تسليط الضوء على استخدامات هذه التقنية لديه كبنيات
رمزية عبرت عن تحولاته الشعرية وتوظيفه الأسطورة والرمز الديني
والسياسي".
ومما يذكر أن استخدام القناع يعد تحولاً بارزاً ومنعطفاً
لافتاً في شعر البياتي الذي أفاد من التجربة الحياتية الفردية ومن
التجربة الصوفية والرمز الشعبي وغير ذلك مما كان يشكل السمة
المتفردة والثرة التي انفردت بها حياة هذا الشاعر الكبير.
هذا وقد توالت فعاليات المهرجان في جلسته المسائية شارك فيها
شعراء من المحافظات العراقية كافة، واستمرت الفعاليات في اليوم
الثاني قرأ خلالها عشرات من الشعراء من الذين تراوحت قصائدهم بين
الشعر العمودي وقصيدة النثر تخللتها برقيات التأييد من داخل العراق
وخارجه، ما عكس الصدى الملموس الذي بدأ يتحقق للمهرجان الثقافي
العراقي في الأوساط الثقافية الدولية.
كان اليوم الثالث جولةً حرة توجه فيها المدعوون الى زيارة
بيت السياب في أبي الخصيب. قطعت السيارات الطريق بين غابات نخيل
أبي الخصيب.. هناك وقد ترجلنا من السيارات باتجاه بيت السياب، لم
يلتفت أحد منا
الى (نهر بويب) إن
كان ما يزال موجوداً كما هو في قصائد السياب أم اضمحل وتلاشى، كما
هو بيت السياب، الخربة الكبيرة غير المسكونة من احد. هناك تذكرت
كلمة الشاعر شوقي بزيع حينما جاء الى هذا المكان مع وفد من
الأدباء العراقيين منتصف السبعينيات اذ قال:
" ذات يوم في ربيع 1974 إبان انعقاد المربد الثالث
في البصرة عقدنا العزم على زيارة جيكور قرية بدر شاكر السياب..
يومها كنا أنا وبعض الشعراء نريد أن نتعرف على ملامح تلك القرية
العراقية التي رفعها السياب الى مصاف الأسطورة، الى ذلك النهر الذي
طالما هدر في أماكن طفولته السحيقة.. كانت آلاف أشجار النخيل تحيط
بنا من كل جانب وتترامى على امتداد البصرة سهول أبي الخصيب
الواسعة... أخيراً نزلنا من السيارة متجهين الى القرية مشياً على
الأقدام. على مشارف القرية كان هناك مجرى مائي صغير عبرنا فوقه
على لوحين من الخشب دون ان نكترث بشئ الى أن نبهنا شاعر عراقي الى
ان المجرى الذي عبرنا فوقه لم يكن سوى نهر بويب... بدونا عاجزين عن
التصديق في البداية، أذ كيف يمكن لنهر بويب أن يكون بهذه الضآلة
ونحن الذين حسبناه عبر قصائد السياب نهراً عظيماً يقارب دجلة
والفرات، أن لم يكن يضاهيهما في التدفق والأتساع؟ أدركنا إذاك كيف
يستطيع المبدع ان يجترح من داخل الواقع واقعاً آخر يفوقه قوةً
وحضوراً، وكيف يستطيع أن يحيل المكان الضيق المنعزل الى فردوس
حقيقي ووجود أكثر بهاءً وروعة. الأمر نفسهه تكرر معنا حين دخلنا
الى جيكور التي لم تتجاوز بيوتها العشرين بيتاً مصنوعة من اللبن
والطين.. عشرون بيتاً صنع فيها السياب أسطورة الشعر بالمطلق وقذف
بها الى التخوم الخرافية المحاذية للوهم. وراينا شباك وفيقة القديم
الذي جعل منه الشاعر نافذة على الطفولةة والفرح والموت حتى وكأنه
الشباك الأبدي الذي يطل منه الشاعر على الشعر والعاشق على الحب
والغريق على خشبة الخلاص ".
مرة أخرى... مهرجان المربد، هو نافذة الثقافة العراقية بالرغم من
كل ما قد يعترض أقامته من عوائق ونواقص وأشكالات. أن التنظيم
الأداري الكفوء واللأئق وحرية الحراك في مجال أخراج المهرجان
بالصورة الأفضل والأنفتاح الجدي على اشراك التجربة الشعرية العربية
والعالمية متمثلة في الدعوات والأستضافات، الكفيل الذي يجعل من
المربد المناسبة العراقية الأوسع نحو ثقافة عراقية متجددة.
(1) كاظم اللايذ. جريدة المربد، العدد الثاني، الصادرة عن
المهرجان.