الفكر الاقتصادي عند عبد الرحمن بن خلدون (1332 – 1406)

د. محمد الأخضر بن حاسين

محمد الأخضر بن حسين، مفكر اقتصادي وأستاذ جامعي وباحث جزائري، أستاذ الاقتصاد السياسي وتاريخ الفكر الاقتصادي واقتصاد التنمية في جامعتي الجزائر وبليدة، له أعمال ومؤلفات عديدة في هذا المجال، نذكر منها كتاب: " الأزمات الاقتصادية/فعلها ووظائفها في البلدان الرأسمالية المتطورة والبلدان النامية ". وفي هذا المقال يسعى الاستاذ محمد الاخضر لتفكيك " مقدمة " ابن خلدون عبر قراءة معاصره لها ليستخلص منها عناصر التفكير الاقتصادي لمؤلف " المقدمة " والتي تتيح تفسير أسباب نشوء وتطور وانحطاط وزوال الحضارة، تاريخ مصير الحضارة المغربية على وجه التحديد. ومقاربة بن حاسين ليست درسا في التاريخ بل توظيف الدروس والقيام  بنضال واسع، متعدد الأشكال ضد التأخر من جهة والتخلف من جهة أخرى.

 

 

    إذا ما قرأنا مقدمة ابن خلدون بإمعان بدافع تسجيل أفكاره الاقتصادية والبحث فيها، وجدنا أنفسنا ملزمين بالإجابة على السؤال التالي: ما هي الفكرة القائدة الكامنة في إنتاج ابن خلدون من بين جملة الأفكار الاقتصادية التي ترافق، بصورة متفاوتة، موضوع " المقدمة " نفسه ؟.

يمكن القول ان موضوع المقدمة هو، بإيجاز، تفسير أسباب نشوء وتطور وانحطاط وزوال الحضارة، تاريخ مصير الحضارة المغربية على وجه التحديد.

 

    هذا التاريخ، كتاريخ للحقبات التاريخية المتعاقبة، هو أيضا تاريخ الصراع الاجتماعي الذي " يهتم بما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب المعاش " (1). وأفكار ابن خلدون الاقتصادية هي، كما نظن، جزء من الواقع التاريخي الذي يريد ابن خلدون ان ينقله إلينا. والمقترب الاقتصادي هو أيضا جزء من التاريخ، لأن نشاط الناس الاقتصادي هو فرع من فروع التاريخ، لذا لا غرو ان كان التفسير الاقتصادي يلقي ضوءاً خاصا على المصير التاريخي.

    على ان ابن خلدون لا يلجأ، في تحليله، الى التفسير الاقتصادي بصورة منتظمة، باستثناء الباب الخامس من " المقدمة " الذي يحمل العنوان " في وجوه المعاش ". إذ تصبح الاستعانة هنا، بمثل هذا التفسير، أكثر تماسكا وإثارة للاهتمام. ففيه يكرس ابن خلدون جهده لتفسير المقولات الاقتصادية، التي يعدها أساسية، تفسيرا نظريا. كما انه يسعى، في هذا الباب بالذات، لكشف النقاب عن المرتكزات الاقتصادية للحياة الاجتماعية. لذا سنفرد في هذه المقالة مكانا خاصا.

على ان ما سبق قوله لا يعني ان التفسير الاقتصادي غائب عن بقية أجزاء " المقدمة ". كل ما في الأمر انه لا يظهر كوسيلة تفسير متممة، لا سيما في فترات التوتر والأزمات الاقتصادية.

    من جهة أخرى، يصبح تفكير ابن خلدون أكثر تماسكا، كما أسلفنا، حين ينتقل في بحثه من الحديث عن الحضارة البدوية، الى معالجة الحضارة المدنية. ومع أننا سنتطرق الى هذه النقطة في حينه، إلا أننا لا نرى غضاضة من الإشارة عرضا هنا لنذكر ان ذلك يرجع أساسا الى ان العلاقات التي ينسجها الناس فيما بينهم في الحضارة المدينية أكثر غنى وتنوعا من تلك التي تقوم بينهم في الحضارة البدوية حيث تتداخل الطبيعة بينهم مباشرة. فالبدو أو المجموعات الاجتماعية البدوية يخضعون لهذه الطبيعة، وهي ليست سوى قوى منتجة طبيعية، ويعجزون عن التحكم فيها.

    يتمحور فكر ابن خلدون الاقتصادي، كما يبدو، حول مشكلة مركزية هي استهلاك الخيرات الضرورية لمعيشة المجموعة الاجتماعية، والانتقال اثر ذلك الى استهلاك الخيرات الكمالية بعد ان تكون الحاجات الحيوية قد أشبعت. وهذه، بالتحديد، مشكلة شروط إنتاج الثروة (أي مجموع قيم الاستعمال) وأساليب توزيعها وتملكها واستهلاكها. وهذه، كما نعلم، مشكلة مركزية في الاقتصاد السياسي، لن تطرح، على هذه الصورة، إلا في القرن السابع عشر عندما سيتحول الاقتصاد السياسي الى علم له منهجه وموضوعه على يد السير وليام بتي (1623 – 1687).

    ان الشروط الاجتماعية لإنتاج الثروة تفضي الى إنتاج وسائل معيشة. والمجموعة الاجتماعية التي يقتصر استهلاكها على الخيرات المادية الضرورية تبعا لدرجة تطور حضارتها، تختلف اختلافا بيّنا عن هذه المجموعة التي تستطيع ان تشبع حاجاتها من وسائل المعيشة وان تتوصل الى استهلاك الخبرات الكمالية. هذان الشكلان من الاستهلاك (الاستهلاك الضروري والاستهلاك الكمالي) يدلان، في الظاهر على الأقل، على وجود نوعين من المجتمعات والحضارات يرتبط احدهما بالآخر ارتباطا وثيقا رغم ما بينهما من اختلاف.

    وصيرورة إنتاج الثروة، سواء كانت هذه الثروة خيرات معيشة أو خيرات كمالية، هي صيرورة اجتماعية يحكمها تقسيم اجتماعي ضروري للعمل" إلا ان قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه. ولو فرضنا منه اقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج الكثير من الطحن والعجن والطبخ .... " (2).

    وتقسيم العمل الاجتماعي ثم تعميقه وتنوعه هو الذي سيفضي، عند ابن خلدون، الى ظهور حقبات متباينة من الحضارة. وعلى العموم يمكننا ان نجمل أفكار ابن خلدون حول هذا الموضوع بالنقاط التالية:

-         تختلف المجموعات الاجتماعية فيما بينها من حيث مستوى المعيشة والثروة وطريق إشباع الحاجات.

-    يكمن الاختلاف بين مجموعة اجتماعية وأخرى، وبين نمط من الحضارة ومستوى تطور حضارة أخرى، لا في طريقة إشباع الحاجات وحسب، بل أيضا بالطريقة التي تعمل فيها هذه المجموعة أو هذا النمط من الحضارة. ويلعب المكان الذي تزاول فيه المجموعة عملها دورا محددا: أيمارس العمل في الريف أم في المدينة؟ ما نوع العمل في المدينة، الحرفة أم التجارة؟

-    ان مستوى تطور القوى المنتجة في الحضارة البدوية أدنى من مثيله في الحضارة المدينية، وينتصب عجز البدو عن التحكم في الطبيعة، عقبة كأداء أمام تطور إشباع حاجات الناس.

-    لدينا، إذن، هرمية مجموعات اجتماعية، أو هرمية مستويات في التطور الحضاري. أما المعيار الذي يحدد الموقع في هذه الهرمية فهو سهولة أو صعوبة إشباع الحاجات. يقول ابن خلدون، " قد ذكرنا ان البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم، العاجزون عما فوقه، وان الحضر هم المعنيون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم. ولا شك ان الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه لأن الضروري أصل والكمالي من فرع ناشئ عنه " (3).

 

    يقول ابن خلدون: " ومما يشهد لنا ان البدو أصل للحضر ومتقدم عليه، إنا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار، وجدنا أولوية أكثرهم من أهل البدو الذي بناحية ذلك المصر وفي قراه، وإنهم  أيسروا فسكنوا المصر وعدلوا الى الدعة والترف الذي في الحضر " (4).

    يرسم ابن خلدون بذلك دورة اقتصادية، لا بل دورة تطور اجتماعي يظهر فيها النشاط الاقتصادي كسعي لا يتوقف وراء إشباع حاجات المجموعات الاجتماعية. أما ظهور الفائض الاقتصادي فهو عنده في ان واحد، وسيلة انتقال المجموعات الاجتماعية من حياة البداوة الى حياة الحضر، ووسيلة تحويل الفائض من الصحراء والريف والمدينة.

    وعليه يبدو ان هدف النشاط الاقتصادي للناس المنتمين الى مجموعات اجتماعية متباينة، هو البحث عن إشباع حاجاتهم. ويتكون الفائض الاقتصادي، انطلاقا من هذا البحث مولدا أشكالا من الاستهلاك الكمالي. وعند هذه النقطة تميل الدورة الاقتصادية، التي يرسمها ابن خلدون الى الانغلاق على نفسها.

    وإذا ما توخينا دقة اكبر فإننا نقول بأن موضع النشاط الاقتصادي هو إنتاج قيم استعمالية، وليست هذه سوى ثروة اجتماعية معدة للتوزيع والاستهلاك. ولكن ابن خلدون لا يتبين بوضوح كاف بعض طرق توزيع الفائض الذي يتحدث عنه. ولو أننا عبرنا بلغة اليوم، عن الإشكالية التي يطرحها لقلنا: ان الريع، وهو هنا ريع إقطاعي، يأخذ شكل فائض اقتصادي يجري تدميره عن طريق الاستهلاك الكمالي، وهو نوع من الاستهلاك الطفيلي، ويستأثر هذا الأخير بالقسط الأكبر من الدخل القومي حائلا بذلك دون استخدام الفائض استخداما منتجا. يقاس الاستهلاك الكمالي، الذي يأخذ شكل استهلاك طفيلي، بقيم الاستعمال المعدة للاستهلاك والاستخدام والتي تزيد عن حاجات الاستهلاك العادية والضرورية. وهنا تتحول المدينة الى المكان المفضل لاستهلاك الفائض أو الريع استهلاكا غير إنتاجي رغم ان إنتاج هذين الأخيرين في مكان آخر تعني الصحراء أو الريف.

    وما يريد قوله ابن خلدون هنا، هو ان هناك فئة اجتماعية من " المتغيبين " لا ينشغلون مباشرة بمصالحهم ويغرقون في حياة الدعة والترف. ولكن ابن خلدون يعمم حكمه هذا على كافة سكان المدن، ويصفهم بالاستلام أمام الكسل والترف. والحال ان هذا التعميم يفتقد الى وضوح الرؤية وينطوي على شيء من المبالغة. فالمدينة تضم بالضرورة مجموعات بشرية تختلف فيما بينها من حيث أعمالها وانشغالاتها وأوضاعها تجاه وسائل الإنتاج وطرق تملك المداخيل، فضلا عن ان الغائب الأكبر من اللوحة الاجتماعية التي يرسمها ابن خلدون هم المنتجون المباشرون، من يخلقون الفائض فعليا.

    هذه الحقيقة الأساسية لا يراها ابن خلدون في الأبواب الثلاثة الأولى من " المقدمة ". ويجب ان ننتظر الباب الرابع حتى نعثر على توضيحات تتسم بدقة اكبر. حول هذا الموضوع يقول: " فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم " (5). والمعني بهذا النص هو، بالتأكيد، العمل المنتج، الخالق للخيرات المادية، بل أكثر من ذلك انه العمل المنتج الجماعي. فهذا الأخير هو الذي يحدد التقسيم الاجتماعي للعمل الخالق للفائض الاقتصادي. يقول ابن خلدون: " وأهل مدينة أو مصر إذا وزعت أعمالهم كلها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم، اكتفي فيها بالأقل من تلك الأعمال، وبقيت الأعمال كلها زائدة على الضرورات فتصرف في حالات الترف وعوائده، وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم باعواضه وقيمه، فيكون لهم بذلك حظ من الغنى " (6).

    الملاحظ، رغم ذلك، ان ابن خلدون لا يقدم لنا إجابة عن السؤال التالي: من يعمل؟ من هي الطبقات الاجتماعية التي تعمل، ومن هي الطبقات التي لا تعمل ومن ثم تستهلك، استهلاكا طفيليا، الخيرات المادية المعدة لإشباع الحاجات الضرورية أو الحاجات الكمالية؟ الواقع ان طرح هذه المسألة وحلها لن يأتينا إلا مع صعود الرأسمالية.

    يعني ابن خلدون، إذن، بتوسع النشاط الإنتاجي بفضل زيادة عدد المنتجين، فهذا الأخير يخلق إنتاجية عمل أعلى تسمح بنمو المبادلات ومن ثم توسيع السوق الداخلية وزيادة إمكانيات الاغتناء. ومن جهة أخرى ينمو تقسيم العمل في المدينة أو الحضارة المدينية أرقى نوعيا من مثيله في الحضارة البدوية.

   

    سنعود مرة أخرى، بلا ريب، لبحث مشكلة الفائض الاقتصادي، لا سيما أننا أصبحنا نعلم مصدره: انه العمل البشري الخالق للخيرات المادية. والفائض مفهوم مركزي، عند ابن خلدون، يجري على أساسه التمييز بين الحضارة البدوية والحضارة المدينية: وجود الفائض يساعد على نمو التبادل بين المدن أما غيابه فيدل على مدى الصعوبات التي تواجهها الجماعة في إشباعها حاجاتها الآنية من وسائل المعيشة.

    نعود الآن الى مخطط ابن خلدون عن التطور الاجتماعي لنلاحظ ان مجموع الروابط التي يتحدث عنها تنشأ داخل العصبية وبواسطتها. وهذه الأخيرة تعبر، في جانب من جوانبها، عن علاقة اجتماعية للإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك: " ..... ان العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجمع عليه " (7).

    أما وظائف العصبية الاقتصادية فهي:

-         وظيفة ملكية وتملك ثروات القبيلة.

-         وظيفة توزيع وإعادة توزيع هذه الثروة.

-         تنحل روح العصبية بالتحضير وما يرافقه من استهلاك طفيلي وكمالي.

 

    في هذا النوع من الاستهلاك تندرج، على ما يبدو، حلقة مفرغة، لما يحمله من عواقب اجتماعية واقتصادية جسيمة....... أنها حلقة مفرغة من الإنفاق الترفي يتجاوز حجم الفائض الاقتصادي المتولد وتفضي لا الى نزاع الملكية وحسب، بل أيضا الى انحطاط اجتماعي يتعرض فيه المجتمع للإفقار والفناء الذاتي. بيد ان المجتمع لا يبلغ هذه المرحلة القصوى إلا اثر جملة من حقبات تاريخية تمر خلالها الدولة وسلوكها الاقتصادي بمراحل متعاقبة تختلف عن بعضها من حيث استخدام الدولة للسلطة الاقتصادية التي تتمتع بها. وفي المرحلة الخامسة يجري، بمعنى ما، تبديد الكنوز التي تمت مراكمتها خلال المراحل السابقة. نعثر هنا بالتأكيد على منطق تاريخي للانحطاط. أما التعبير الاقتصادي عن صيرورة الانحطاط الاجتماعي فيمكن صياغته بما يلي:

الاستهلاك الضروري + الاستهلاك الكمالي يكون أكبر من الناتج الضروري (الموجهة لتلبية حاجات الاستهلاك الضروري لخالقي الدخل) + الناتج الفائض أو الفائض (ذلك الجزء من الدخل الذي يمكن ان يوجه أما لغرض زيادة الطاقة الاقتصادية وأما لغرض الاستهلاك الإنتاجي أي الاستهلاك الكمالي أو البذخي أو الطفيلي).

 

    نستنتج من ذلك ان المجتمع المغربي كان يستهلك بصورة غير منتجة أكثر مما كان ينتجه. ومن ثم فان ما يصفه ابن خلدون لا يعدو كونه صيرورة تقهقر اقتصادي ينعدم فيها تطور القوى المنتجة. انه وضع يتسم بالانحطاط الاجتماعي لجزء من المجتمع يلتهم ما ينتجه الجزء الآخر منه.

    ويعبر وضع عدم المساواة أو التفاوت هذا، على ما يبدو عن نقطة نهاية مخطط التطور الاجتماعي الذي يرسمه ابن خلدون، في برهة اقتصادية تعبر عن صيرورة إنتاج واستهلاك الخيرات المادية التي نجدها بعد ذلك في الدخل القومي. هذا النوع من الإنتاج يولد توزيعا مفرطا في تفاوته، لأنه يعبر عن أشكال من الاستهلاك الطفيلي تقود المجتمع المغربي الى مأزقه. ويندرج التأخر الاقتصادي والاجتماعي في هذه التشكيلة الاجتماعية كمنطق لتقهقر القوى المنتجة المتجمدة بفعل علاقات الإنتاج الإقطاعية المسيطرة. والواقع أنه يمكننا ان نذهب الى ابعد من ذلك إذا اعتمدنا الملاحظات التي يقدمها ابن خلدون. فهو يصف، في حقيقة الأمر، تدمير القوى المنتجة التي خلقها المجتمع المغربي في القرن الرابع عشر، مفضيا بذلك الى نوع من ديناميكية تقهقر. في هذا السياق يشكل الفائض الاقتصادي وطرق استخدامه مقولة اقتصادية لا بد من التركيز عليها لأنها تعكس شروط إعادة الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي، التي تظهر كسيرورة " مجمدة " بسبب الاستهلاك الطفيلي أو الكمالي. ويقود هذا الأمر، بالنتيجة، الى انسداد أفق تطور المجتمع المغربي فضلا عن ذلك، تبدو اللوحة الاجتماعية التي يرسمها ابن خلدون غير مكتملة، إذ لا تظهر فيها على وجه التحديد، سوى القوى الاجتماعية المتحالفة، مباشرة أم لا، مع السلطة، الى جانب بعض الفئات الاجتماعية الوسطى التي ينطق ابن خلدون كما يبدو باسمها.

 

    ما هو دور التفكير الاقتصادي في أبواب المقدمة الثلاثة الأولى؟ لم نعثر في هذه الأبواب على تفكير اقتصادي منتظم ومتواصل، ودور عناصر التفكير الاقتصادي والمقولات الاقتصادية الواردة فيها يرمي الى دعم التحليل التاريخي للتطور الاجتماعي، الذي يقوم به ابن خلدون، على عدة مستويات. وعليه فتحليل ابن خلدون لا يعدو كونه جانبا تفسيريا، من جملة جوانب أخرى. كما ان النتائج المترتبة على سائر مستويات التحليل تتضافر عنده لتلقي ضوءاً ساطعا على التطور الاجتماعي للمجتمع المغربي من خلال طورين: طور البداوة وطور الحضارة.

    يتمحور تفكير ابن خلدون الاقتصادي، في هذا السياق، حول واقع الحاجة والوفرة أو الحاجات الكمالية. ولكن دون ان يندمج، هذا التحليل، على ما يبدو، في الصيرورة الاجتماعية الشاملة. ولا غرو في ذلك فان ابن خلدون لا يقرن تحليله بسعي تركيبي، بل يكتفي، أحيانا، بتقديم لوحات أو جوانب عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في ماضيه وحاضره. ومن الأمثلة التي يمكن ان نسوقها على قولنا هذا، أن ابن خلدون يعجز عن رؤية مقولة أساسية كالريع العقاري بصفتها هذه. وهذا لعمري أمر يثير فينا الحيرة لا سيما ان النشاط الزراعي – الرعوي هو النشاط الرئيسي في المجتمع المغربي الذي يعالجه ابن خلدون. مقابل ذلك يظهر الريع العقاري عند مفكرنا في صورة فائض اقتصادي أو دخل، أو دخل قومي.... ومع ذلك لا يمكن لوم ابن خلدون على عدم وضوحه، لأن العلاقات الاجتماعية في المجتمع الذي يسود فيه الاقتصاد الطبيعي، تكون محجوبة بعلاقة الإنسان الطبيعية، لذا لا تظهر المقولات الاقتصادية التي تعكس هذه العلاقات، بل تبقى مغشاة بغشاء كثيف، أو أنها تظهر من خلال مقولات ثانوية .... وقد يصل الأمر حد أنها لا تنشأ على الإطلاق.

 

    في البابين الرابع والخامس من " المقدمة "، يختلف الأمر، إذ يطغي على تفكير ابن خلدون الاقتصادي طابع التماسك والتركيز. ويصبح اللجوء إليه أكثر ضرورة، بسبب الطابع النقدي للعلاقات الاجتماعية داخل الحضارة المدينية من جهة، وبسبب تمحور التناقضات الاجتماعية، أكثر فأكثر، حول المصالح المتباينة للقوى الاجتماعية الحاضرة، من جهة أخرى.

    حياة المدينة، إذن، هي الإطار الاجتماعي الذي تتجلى فيه المشاكل الاقتصادية وتفصح عن نفسها، فتدفع ابن خلدون للتفكير فيها والكتابة عنها، فيتابع تحليله حينا، ويستعيده أو يكرره حينا آخر، الى ان يصل الى الباب الخامس " في وجوه المعاش " حيث يسعى لتعميق فكره الاقتصادي بما يسمح بتدعيم تحليلاته السابقة، لذا يرتدي التحليل الاقتصادي في هذا الباب بالذات طابعا أكثر منهجية.

 

    تتميز أفكار ابن خلدون الاقتصادية هنا بمقتربين متكاملين:

-    تفكير اقتصادي يتكون انطلاقا من مشاكل الدولة وحاجاتها. وينظر ابن خلدون للمشاكل الاقتصادية، هنا، من زاوية البنية الفوقية، أو من زاوية بعض ضرورات سياسة الدولة الاقتصادية، والدخل القومي والعناصر المكونة له وإعادة توزيعه.

-    المقترب الثاني هو النشاط الاقتصادي. يعالج ابن خلدون، هنا، المقولات الاقتصادية في علاقتها بالعمل البشري. مقترب ابن خلدون هذا مثير للاهتمام وهو موضوع تفكيره في الباب الخامس من المقدمة.

 

    لنعاين القضايا التي تشكل جزءاً من المقترب الأول. للدولة، فضلا عن وظائفها التقليدية، وظائف اقتصادية تؤمن بقاؤها وتضمن تجديد إنتاجها، فهي تجبي الضرائب وتراقب النفقات، وهي الى جانب ذلك مالك عقاري. كما ان الدولة تدافع عن الملكية الخاصة وتباشر نزع الملكية وتعيد توزيع الدخل القومي.....

    الى جانب وظائف الرقابة والدفاع عن السيادة، تواجه الدولة حاجات تتزايد بقدر تحول الاستبداد والثقافة الحضرية والترف، الى سمات بارزة لها. حينئذ تصبح الضرائب وسيلة لزيادة مداخيل الدولة ولمواجهة النفقات المتعاظمة (.......).

    بالإضافة الى ما سبق، يبين ابن خلدون في نص آخر، في سياق حديثه عن الدورة الاقتصادية ودور الدولة فيها، وظائف الدولة بصورة أكثر دقة. فالدولة سوق كبير بمعنى أنها تتحكم بالقسط الأكبر من صيرورة التبادل، ووظيفة الاكتناز التي تمارسها تفضي الى عتم النشاط الاقتصادي، لأن تداول النقود بين الدولة والهيئات الأخرى، السماسرة والتجار، أمر لا بد منه إذا أريد لصيرورة التبادل ان تتوسع. ان الاكتناز والتبذير يقود الى انكماش النشاط الاقتصادي، ومن ثم تصبح جباية الضرائب أكثر صعوبة نظرا لتباطؤ وتيرة النشاط الزراعي والمالي والتجاري. هنا تنطفئ الدولة.

    وبهذا يكون ابن خلدون قد عرض لنا دورة اقتصادية تظهر فيها مدى أهمية الدور الذي تلعبه الدولة في السياسة الاقتصادية، فإنتاج الخيرات المادية يتوقف على سلوك الدولة. بل يبدو كأن ابن خلدون يرد كل شيء الى إرادة الدولة. والواقع ان هذا الموقف ينطوي على تصور ارادوي لدور الدولة ووظيفتها الاقتصادية دون ان يعني ذلك أي إنكار، من جانبنا، للوزن الكبير الذي تمثله الدولة في الحياة الاقتصادية: " ان الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم وفيه مادة العمران " وهي التي تحدد صيرورة الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك. ان للدولة وزنها التقليدي الهام، وهذا أمر لا ريب فيه، وينبغي ان نثبت ذلك بأبحاث أكثر عمقا. فتوضيح مسألة على هذا القدر من الأهمية يمكن ان يكون عبرة ثمينة بالنسبة للفترة الحالية.

    ويدافع ابن خلدون عن الملكية الخاصة: " اعلم ان العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من ان غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم " (8). والملكية الخاصة التي يعتمدها هنا هي الملكية المتوسطة والصغيرة التي لا تستجيب لإشباع الحاجات وحسب، بل تسمح أيضا بالحصول على ربح أو كسب، وتشكل حافزا للكسب بالعمل.

    تتعارض هذه الملكية الصغيرة والمتوسطة مع الملكية الإقطاعية وتمايز عنها، لأنها حاملة للعلاقات السلعية، كما أنها تقدمية إذا ما قورنت بالأشكال الخانقة للملكية الإقطاعية.

    يعبر ابن خلدون، في واقع الأمر عن صراع يدور في المجتمع المغربي آنذاك، بين قوتين اجتماعيتين متعارضتين، موضوعه الاستئثار بنتاج العمل المنتج أي العمل الخالق لقيم الاستعمال والثروة المادية. ولكنه يتحاشى التمييز بين هاتين القوتين المتصارعتين، ويكتفي، لأسباب تكتيكية، بالتلميح محيطا نفسه بكثير من الحيطة والحذر. رغم ذلك تظل آراؤه صحيحة وسليمة من حيث جوهرها، تعكس واقع سير الصيرورات الاقتصادية التي بدأ الضعف والإعياء يدب فيها تحت وطأة الضربات المتلاحقة للاستهلاك الطفيلي.

    ان الدرس الذي نستخلصه من عرض ابن خلدون هو ان المجتمع المغربي كان في حاجة الى علاقات إنتاج من طبيعة مغايرة. وفسحة الوقت الذي انقضى منذ ان كتب ابن خلدون مقدمته ثبت ان المجتمع المغربي لم يستطع ان يعرف كيف يجد في داخله قوى كافية لبدء صيرورة تجديد تاريخي يمكن ان يكون أساسا لديناميكية جديدة. وتتمثل المشكلة التي نلمسها من خلال تحليل ابن خلدون، وهي مشكلة لا تزال راهنة، في السؤال التالي: كيف حدث ان المجتمع المغربي لم يجد، بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر، القوى الداخلية القادرة على إطلاق صيرورة تجديد تاريخي وديناميكية اجتماعية مغايرة؟ ونحن وجدنا أنفسنا مساقين بالضرورة لطرح هذا السؤال، فإنما على ضوء قراءتنا لتحليلات ابن خلدون حول المشاكل والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الطابع.

    وسرعان ما يراودنا سؤال أخير: هل يحلل ابن خلدون الأزمة العامة للنظام الإقطاعي، وهي تأخذ شكل تعبير خاص بها في المجتمع المغربي؟ إذا كان لهذا السؤال ما يبرره علميا، فإننا نؤكد واثقين، ان ما يصيغه ابن خلدون مثال على فعل قانون التوافق الضروري بين مستوى تطور قوى الإنتاج وطابع علاقات الإنتاج. فعدم التوافق الذي يتميز به هذا الوضع يولد سلسلة من التأخر والتقهقر. لا نعني بذلك التأخر الاقتصادي والمادي وحسب، وهذه مسألة عالجناها آنفا، بل أيضا تأخر الدولة والبنية الفوقية كوضع يعكس عدم التوافق العميق بين البنية الفوقية والقاعدة الاقتصادية، لا سيما ذلك الجزء من القاعدة الاقتصادية الذي يتحدد بالملكية غير الإقطاعية، والذي يتكشف عن إمكانيات تراكم عظيمة لولا وطأة الضريبة.

    ويذهب ابن خلدون الى حد إطلاق صرخة جديرة بالتيار الفيزيوقراطي، من خلال نادرة يستعيرها من المسعودي: " أنت أيها الملك عمدت الى الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها، وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منهم الأموال، واقطعها للحاشية والخدم وأهل البطالة، فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع وسمحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الحيف على من وقع من أرباب الخراج وعمار الضياع... " (9). يعبر هذا النص عن مواقف اقتصادية وسياسية أكثر دقة، كما انه يوضح التفسيرات التي قدمها ابن خلدون، أعلاه، عن وظائف الملكية.

    يعارض ابن خلدون، بوضوح لا لبس فيه، الملكية الإقطاعية التي تغذي المحاباة وتسمح بالحصول على ريع لا يتحول الى رأسمال، وينطق بلسان القوى الاجتماعية المنتجة للفائض، أي " عمار الضياع "، القادرين على استخدام الريع استخداما منتجا..... كما انه يقف ضد الظلم الذي يطال الملكية الخاصة ويؤدي الى تلاشي الجهد والعمل عن طريق نزع الملكية، وفي وجه السلب والإكراه على العمل، وفرض الضريبة دون وجه حق، واحتكار الدولة الإقطاعية.

    يقارع ابن خلدون، إذن، التدابير الناجمة عن العسف الإقطاعي، والشاملة تشكيلة واسعة من القوى الاجتماعية الوسطى، كالمزارعين وصغار الفلاحين والأقنان في الريف، والحرفيين وصغار التجار ومتوسطيهم، في المدن: " فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم، بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك، وهو متمولهم " (10). كما انه ينتقد سلطة الاحتكار الإقطاعي العقيمة: " وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان...... فتشمل الخسارة سائر الأصناف والطبقات " (11).

    ان سلوك الدولة والبنية الفوقية، الذي يصفه ابن خلدون، يدمر كافة القوى الاقتصادية والاجتماعية الحاملة للعمل المنتج، تراكم رأس المال وتطور القوى المنتجة. ومثل هذا الحبس أو التجميد للديناميكية الاجتماعية من قبل علاقات الإنتاج الإقطاعية الطفيلية، يحفزنا على طرح عدة أسئلة يمكن ان تكون توجهات لاحقة للبحث والتفكير. مثلا، إذا كان ما يذكره ابن خلدون يتعلق بأزمة عامة للتشكيلة الاجتماعية الإقطاعية، فمتى بدأت هذه الأزمة؟. بالطبع لا ندعي لأنفسنا القدرة للإجابة على هذا التساؤل في إطار هذه الدراسة.

 

    من جهة أخرى نلاحظ في إطار هذه الأزمة التاريخي، وهي أزمة حلت خلال الحقبة الخلدونية لصالح القوى الرجعية المغربية، ان جملة من الصعوبات كانت تحول دون تحويل المداخيل الرئيسية الى رأسمال. فالريع والفائض كانا يستهلكان استهلاكا غير منتج، ورأس المال التجاري لم يستطع ان يستأثر بالأرض، كما كان عليه الحال في أوربا، بل ظلّ محصورا ضمن حدود متواضعة.....

    كانت هناك، إذن، صعوبة بنيوية أمام تراكم رأس المال بأشكاله المختلفة. وابن خلدون لا يغفل ذلك، بل يشير إليه في مجال وصفه أوضاع المجتمع المغربي وتحليلها. ويصبح الاكتناز عن طريق شراء العقارات أو المزارع ردا مباشرا على صعوبة التراكم البنيوية هذه. ويتحول شراء الأملاك الزراعية الى مصدر أمان، كما انه يلعب دور ادخار يمكن ان يكون موضع مضاربة.

    ونصادف صعوبة تراكم رأس المال هذه بعينها، في فترات تاريخية لاحقة، أو ليست هذه كلها مقدمات تنفي إمكانية طريق التطور الرأسمالي؟. لا شك ان الأبحاث المعمقة والمنتظمة في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، هي التي يمكن ان تسلحنا بالحجج والبراهين اللازمة للتحكم بمسألة كهذه. على ان الثابت هو ان نمط الاستهلاك الطفيلي المسيطر كان يدمر قيم الاستعمال المنتجة، ويوجه الريع نحو إشباع حاجات الاستهلاك، من ضروري وكمالي، بتعبير آخر، كان المجتمع المغربي يكتنز ولكنه لم يكن يراكم، وعلاقات الإنتاج الإقطاعية السائدة هي التي تمنع تحول الريع أو الفائض الى رأسمال.

 

    في الختام، لا بد من التذكير، بان المشاكل التي طرحتها هذه الدراسة، هي بلا ريب، مشاكل يصعب حلها، أثارتها فينا مقارنة الوضع الذي كان عليه المجتمع المغربي كما رسم ابن خلدون لوحته، وواقعنا الحالي، اثر قرون من الانحطاط. فلا بد من استخلاص العبرة من تحليل ابن خلدون " للانحطاط الاقتصادي والاجتماعي "، ولا بد من القيام بنقد علمي انطلاقا من تشخيص موضوعي للانحطاط، لما تركه من بقايا الوعي الاجتماعي الوطني المعاصر، وفي المجتمع، إذا أردنا البدء بنضال واسع، متعدد الأشكال ضد التأخر من جهة والتخلف من جهة أخرى. ربما كان علينا ان نوجه تفكيرنا هذه الوجهة.  

    

الهوامش

 

(1) دار الكتاب اللبناني – بيروت 1979، ص 57. " المقدمة: تاريخ العلامة ابن خلدون.

(2) المقدمة ..... مرجع سابق ص 69.

(3) المقدمة .... مرجع سابق ص 213 – 214.

(4) المقدمة .... مرجع سابق ص 214.

(5) المقدمة .... مرجع سابق ص 641.

(6) المقدمة .... مرجع سابق ص 624.

(7) المقدمة .... مرجع سابق

(8) المقدمة .... مرجع سابق ص 507.

(9) المقدمة .... مرجع سابق ص 508.

(10) المقدمة .... مرجع سابق ص 512.

(11) المقدمة .... مرجع سابق ص 512 – 513.

 

*******************