install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

(الثقافة الجديدة) تحاور الأستاذة الدكتورة بلقيس شرارة

 

أجرى الحوار الفنان التشكيلي فيصل لعيبي صاحي

وُلِدَتْ الأستاذة بلقيس شرارة عام 1933 في العراق من أبوين لبنانيَيْن، وأكملت دراستها الابتدائية والثانوية والجامعية فيه، وحصلت على بكالوريوس اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد عام 1956. اقترنت بالأستاذ الكبير والمعمار المبدع رفعة الجادرجي في الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت هذه الرفقة مصدراً للتفتح والإنتاج الغزير والتعاون المشترك لكليهما، كما استطاعت الأستاذة بلقيس دراسة الأنثروبولوجيا عندما كانت بصحبة زوجها في الولايات المتحدة الأمريكية. اصدرت الكاتبة والباحثة بلقيس شرارة كتابَيْن مهمَيْن هما: محمد شرارة،?من الإيمان الى حرية الفكر عام 2009،  وهو مكرس لحياة والدها المعلم الكبير الأستاذ محمد شرارة، الذي لعب دوراً هاماً في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في الحياة الثقافية العراقية، ثم كتاب الطبّاخ ودوره في حضارة الإنسان عام 2012، وهو حول التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة وفنونها، وبالاشتراك مع رفيق عمرها الأستاذ رفعة الجادرجي صدر عام 2003 كتاب جدار بين ظُلْمَتَيْن، عن تجربتهما المشتركة ومعاناتهما أثناء فترة اعتقال النظام الدكتاتوري البعثي السابق للمعماري الكبير رفعة الجا?رجي، كما كتبت مقدمة طويلة لرواية شقيقتها الراحلة حياة شرارة إذا الأيام اغسقت عام 2000.

فيصل لعيبي: البيئة الأولى التي ترعرعتِ بها؟

 

الاستاذة د.بلقيس شرارة: كانت البيئة التي ترعرعت بها تختلف عن البيئة التي ترعرع بها أقراني في تلك المدة. إذ كنا نسافر إلى لبنان لقضاء فصل الصيف، ووسّع السفر مداركي، فالطبيعة تختلف بجبالها ووديانها وبحرها عن الطبيعة في الناصرية أو كربلاء أو الحلة، المدن التي قضيت فيها طفولتي. كما أن جو البيت كان يختلف تماماً عن أجواء أقراني، إن كان في لبنان أو في العراق؛ ففي لبنان كان عمي عبد اللطيف شرارة وعمي مرتضى ووالدي يتحدثون عن آخر ما كتبوه، إن كان في الشعر أو النقد أو الترجمة أو السياسة. كما كان يجتمع في دار جدي، عدد ?ن كتاب وشعراء الجنوب في لبنان.

المهم هنا، أنه لم يكن هناك فصل بين النساء والرجال، بل كان الاختلاط شيئا طبيعيا، إن كان في دار جدي في لبنان، أو في دارنا في العراق.

كان والدي يتكلم الفصحى معنا بلكنة لبنانية أحياناً، أو يترنم الشعر، ما أدى إلى خزين لغوي لديّ، لم أشعر به إلا عندما أقدمت على الكتابة. أما والدتي فلم تتعلم اللهجة العراقية وإنما استمرت تتكلم اللهجة اللبنانية، لذا فقد تعلمتُ اللهجة العراقية في المدرسة.

 

ف.ل: المدرسة الابتدائية و الأصدقاء الأوائل، وأين هم الآن و المبّرزون منهم؟

 

ب.ش: لم يكن لي أصدقاء في الابتدائية لكثرة التنقل، إلا بنات أصدقاء والدي من الجالية اللبنانية. وانتقلنا إلى بغداد عام 1944، وكنت ما أزال في المدرسة الابتدائية.

 

ف.ل: بدايات الوعي بالمعرفة والثقافة والقراءات الأولى؟

 

ب.ش: بدأت في مطالعة الكتب في الصف الخامس الإبتدائي في بغداد، ولكن بعد أن تخرجت من المدرسة الإبتدائية، أصبحت المطالعة جدية، ومعظم الكتب التي قرأتها كانت أدبا مترجما عن اللغتين الفرنسية والإنكليزية. كما قرأت الملاحم والاساطير اليونانية في تلك المدة أيضاً. وسّعت تلك المطالعة مداركي، وبدأت اجلس مع ضيوف والدي أحياناً، استمع إلى ما يتحدثون به بالرغم من صغر سني.

كان للشاعرة نازك الملائكة دور مهم في توجيهي. كانت الزيارات متبادلة بين عائلتي شرارة والملائكة. كان لنازك دور في الاطلاع على الموسيقى الغربية الكلاسيكية، التي سمعتها أول مرة في دارهم.

كنا نجلس مع شقيقاتها في الغرفة، وكانت نازك تبحث لنا القطعة الموسيقية التي سنستمع إليها، وتعطي نبذة عن الموسيقار الذي ألف السمفونية. فكوّنت هذه خزيناً مهماً في تفهم الموسيقى الغربية منذ الصغر.

لذا عندما قبلت في كلية الآداب، فرع اللغة الإنكليزية، كان هناك عدد من الفعاليات، كالرسم والموسيقى في الكلية، فانتميت إلى جمعية الموسيقى الغربية.

 

ف.ل: مرحلة الشباب والتطلعات والأماني المبكرة لك كفتاة؟

 

ب.ش: كانت مرحلة الشباب محدودة بالنسبة إلى الفتيات في العراق عامة، بالرغم من الحرية الكاملة التي كنت أتمتع بها في دار والدي. فهناك قيود تكبل الفتاة وتطلعاتها أكثر من الفتيان. فالمجتمع كان وما زال مجتمعا ذكوريا، والفتاة محددة بتقاليد ذلك المجتمع، ويصبح جزءا في اللاوعي وسيكولوجية الذات.

فمثلاً، لا يمكن لنا كفتيات أن نلتقي في مقهى، لأن المقاهي كانت مقتصرة على الرجال فقط، ولم يكن بوسعنا الذهاب إلى السينما إلا عصراً ويوم الخميس بالذات، بينما كان للشباب الذين في عمرنا مطلق الحرية الكاملة التي كنا وما زلنا نفتقر إليها. 

كنت أتمنى أن أسافر إلى إنكلترا لدراسة الأدب الإنكليزي، ولم تتحقق هذه الأمنية، لأن البعثات الدراسية أوقفت في العام الذي حصلتُ فيه على شهادة الخامس الثانوي، وهي مرحلة الانتقال إلى الدراسة الجامعية. حيث كانت درجاتي تخولني الدراسة خارج العراق. وكان إيقاف البعثات نوعا من الصدمة لتطلعاتي.

ف.ل: دور والدكِ وصالونه الأدبي في كل يوم خميس؟

 

ب.ش: كان لوالدي دور كبير في توجيهي، وكنت اعتبره صديقا لي أكثر من والد، كما هو كان يعتبرنا كذلك. فلم يكن هناك الخوف أو العلاقة الرسمانية التي كنت ألاحظها في العلاقة بين أباء صديقاتي.

اما الصالون الأدبي فقد بدأ في دارنا عام 1946. إذ ازدهرت الحركة الأدبية والفنية، بسبب الانفتاح الفكري والسياسي، بعد الحرب العالمية الثانية. وتمركزت تجمعات الشعراء من الشباب في منزلنا أيام الخميس، وكان الوالد يهمه الفكرة والإبداع في الشعر، إذ كان يعتبر الشاعر هو ضمير المجتمع، وعليه أن يكون له دور مهم فيه. كان والدي شاهداً على بداية وبلورة الشعر الحديث من خلال صالونه الأدبي، كما كوّنت تلك الاجتماعات بداية النهضة الشعرية في العراق أيضاً.

 

ف.ل: تحولات النظرة التقليدية المحافظة عند الوالد نحو الفكر العلمي والتقدمي بالذات وأسبابها؟

 

ب.ش: اضطر والدي إلى دراسة علوم الدين في النجف، لكي يخلف والده كقاضي، إذ كان نوعا من الوراثة، خاصة أن والدي كان الولد البكر في العائلة. إلا أنه كان ثائراً منذ البداية، إذ كان يحب التجديد والتطور، لا يؤمن بالرجعية بكل اشكالها وابعادها، خاصة المتجسمة في المدارس الدينية في النجف آنذاك. ولذا اعُتبر من قادة الحركة التي حدثت في النجف في بداية الثلاثينيات، والخروج على تقاليد الدراسة، في اصلاح المدارس الدينية.

بعد أن تخرج من المدرسة الدينية وحصل على الشهادة وأصبح شيخاً، نزع العمامة حالاً، وانتقل إلى تدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية. لم يكن في تلك المدة ملتزما بنظرية أو أيديولوجية معينة، وإنما كان لبيراي التفكير، ضد التعصب أو الالتزام.

انتقل إلى الفكر الماركسي في بداية الأربعينيات، عندما تعّرف الى الأستاذ جاسم الرجب، الذي كان يدّرس اللغة العربية أيضاً في ثانوية الحلة. كان جاسم ماركسي التفكير والثقافة، وبدأ والدي يقرأ الكتب الماركسية التي كان يزوده بها، فوجد ضالته في الفكر الماركسي، وكوّن هذا الإتجاه، منعطفاً جديداً وحاسماً في حياته. وقد بحثت ذلك بالتفصيل في الكتاب الذي كتبته عن والدي بعنوان: محمد شرارة من الإيمان إلى حرية الفكر.

 

ف.ل: أشهر المثقفين الذين كانوا يحضرون مجلس الوالد الأدبي، وهل كان للمجلس دور في بلورة القصيدة الجديدة لدى السياب ونازك والبياتي؟

 

ب.ش: كان يؤم بيتنا عددٌ من الشباب والشابات في تلك المدة، وأهمهم الشاعرة نازك الملائكة وأخوها نزار الملائكة، والشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة لميعة عباس عمارة والشاعر بلند الحيدري وأكرم الوتري. والكاتب حسين مروة وابنه نزار وابن أخيه الكاتب كريم مروة، والشاعر كاظم السماوي. أما الشاعر البياتي فلم يكن مساهماً في حضور هذا المجلس. كنت أحضر جميع هذه الجلسات برفقة شقيقتي مريم وحياة وعمي مرتضى وعمتي سكنة.

كما كان يحضر عدد من الهواة المتتبعين للشعر والأدب، منهم ناجي جواد الساعاتي وعزيز أبو التمن ابن جعفر أبو التمن، اللذان كانا مواظبين على الحضور. وكانت تحضر أحياناً صديقتي بتول القشطيني، وثمينة ناجي يوسف التي تعرفتْ الى زوجها حسين الرضي (سلام عادل) في بيتنا، ولكن ليس أثناء الندوة الشعرية. إذ كان يزور والدي عددٌ من أعضاء الحزب الشيوعي من أمثال د. صفاء الحافظ والدكتورة نزيهة الدليمي وشقيقها لطفي الدليمي وغيرهم.

كان الاصغاء تاماً اثناء إلقاء قصيدة جديدة من قبل أحد الشعراء، ثم يبدأ الكلام في نقد القصيدة، والطلب من الشاعر إعادة بعض مقاطعها، كما حدث مع بدر في حالات كثيرة، وإعجاب الحاضرين وافتتانهم بالصور الشعرية الجميلة والترابط العضوي في القصيدة التي قرأها. أو مع نازك، عندما ألقت قصيدتها الكوليرا إذ خرجت نازك بتلك القصيدة عن الأنماط الشعرية التي كانت سائدة، محررة القصيدة من الأوزان القديمة والإيقاع. كان هؤلاء الشعراء هم الرواد في الإنجاز الإبداعي الذي وصلوا إليه في تلك المدة.

 

ف.ل: العلاقة بالأستاذ رفعة، وكيف تطورت وكيف تنظرين لها بعد هذه السنين؟

 

ب.ش: تعرفت الى رفعة في بيت الدكتورة سميرة بابان، التي كانت عضوة في رابطة المرأة، وكنت أحضر اجتماعات الرابطة أحياناً. وما جمعنا هو التقارب الفكري.

كان رفعة يختلف عن عامة الشباب، جريء في تجاوزه التقاليد الاجتماعية. لذا لم نطبق أياً من التقاليد أو العرف المتبع في الخطبة أو عقد الزواج أو العرس. ولم تستسغ والدته أو والدتي القفز على تقاليد المجتمع التي يراعونها في مثل هذه المناسبات.

فمثلاً، جلب لي رفعة قاموس أكسفود الإنكليزي، المؤلف من مجلدين ضخمين هدية المهر، إذ كنت ما أزال تلميذة في كلية الآداب. أثارت هذه الهدية الاستهجان من قبل النساء في عائلتينا، إذ يقّدم عادة في مثل هذه المناسبة مصوغات من الذهب أو الماس.

عندما انتقلت إلى دارنا في شارع طه، التقيت بأصدقاء رفعة، وأصبحت دارنا تستقبلهم معظم أيام الخميس، وكان معظمهم من الفنانين والمعماريين. ولم يكن هذا غريباً عليّ؛ إذ عشت في بيت كان يستقبل الأدباء والشعراء معظم أيام الخميس أيضاً. لكن الذي اختلف هو المواضيع التي كانوا يتحدثون عنها ويبحثونها.

إذ وجدت نفسي ان عليّ أن أطلع على الحركة الفنية والمعمارية في العالم، فكنت أجهل هذا الجانب، بل لم اتعرض له في حياتي من قبل.

فبدأت في الاطلاع على المجلات المعمارية المشترك بها رفعة، كما بدأت اقرأ بشغف عن تاريخ الرسم والنحت، وعن الرسامين والنحاتين الحديثين في العالم، وفتحت لي تلك القراءات عالما جديداً. وجدت بعد مدة وجيزة، أن باستطاعتي مشاركة المعماريين أو الفنانين بالحديث. إذ لم تقتصر الزيارات على الفنانين والمعماريين العراقيين وإنما شملت المعماريين العالميين الذين كلفوا من قبل مجلس الإعمار آنذاك في تصميم بعض المشاريع في بغداد. من أمثال المعمار الإيطالي (جيو بونتي) الذي صمم وزارة التخطيط، والمعمار الأميركي (فرنك لويد رايت) الذي ك?ف بتصميم الأوبرا، والمعمار (كروبيوس) الذي صمم جامعة بغداد، والمعمار (دوكسيادس) الذي صمم مشاريع الإسكان، وغيرهم.

أصبحتُ رفيقة حياته طيلة المراحل التي مرت علينا بحلاوتها ومرارتها. فعندما حكم على رفعة بالسجن المؤبد، لم يضيع وقته كما أضاعه معظم السجناء، بل استغل تلك المدة في القراءة والكتابة، على رغم الأوضاع المزرية في السجن، وأنهى كتابين هما صورة أب و شارع طة و همرسمث كما انهى نصف كتاب الإخيضر و القصر البلوري، ولولا السهر والجهد الذي بذلته في توفير الكتب والمراجع التي كان يحتاج إليها، ونسخ بعضها، لما استطاع أن ينتج ويكتب داخل السجن. وكنت أسجل أسماء الكتب قبل تسليمها إلى دائرة السجن، فقد زاد عددها على 160 كتاباً قرأ?ا خلال إقامته في السجن التي لم تتجاوز 15 شهراً.

أما كيف أنظر لهذه العلاقة الآن، فإني أحس براحة ونشوة نفسية، بعد مرور ستة عقود على الرفقة الطويلة التي عجنتنا بأحداثها، والتقارب الفكري، الذي نما بيننا بعمق، وما انتج كل منا في حقله.

 

ف.ل: حديث عن الجهد الموسوعي لكتابك الشامل حول تاريخ فن الطبخ ودور الطباخ في تطور الحياة الاجتماعية؟

 

ب.ش: بدأت في البحث في هذا الموضوع عندما كنت أعيش في كيمبرج، مساشوست في الولايات المتحدة. كان رفعة Loeb Fellow، في جامعة هارفرد، وكنت بلا عمل، فبدأت دراسة علم الأنثروبولوجي وعلم الاجتماع وهما موضوعان لا علاقة لهما بالأدب. وبعد ان أنهيت بعض الكورسات courses، في جامعة هارفرد، انتبهت إلى أهمية الطعام وطقوسه في حياة الإنسان. فركزت القراءة والتتبع عن الأديان وارتباطاتها بالطعام، وعن دور الطعام في hierarchy الهرمية الإجتماعية. قضيت ما يقارب ثلاث سنوات في مكتبة جامعة هارفرد، أبحث وأقرأ في هذا الموضوع. إذ لم يكن هن?ك مصادر مهمة إلا بعض الكتب والأبحاث القليلة التي لها علاقة بهذا الموضوع آنذاك. وأصبح الاهتمام في بحث مثل هذه المواضيع التي تتعلق بأهمية الطعام وطقوسه في التسعينيات من القرن الماضي.

وقررت أن يكون الكتاب شاملاً، أي منذ بداية الإنسان العاقل حتى الوقت الحاضر. ولكن لم استطع أن أكمل ما بدأته، فعندما عدنا إلى لندن أصبت بآلام الظهر التي أقعدتني عن العمل.

بعد أكثر من عقد ونصف قررت أن أعود إلى كتابة الكتاب، فقضيت سنتين ونصف في البحث والكتابة. صدر الكتاب بعنوان: الطباخ، دوره في حضارة الإنسان. لكن وجدت أن النظرة ما زالت في عالمنا العربي إلى فن حرفة الطبخ والطباخ نظرة غير محترمة، بالرغم من كثرة مناهج الطبخ في التلفزيونات العربية. ولم يبحث تاريخ الموضوع وأهميته الاجتماعية، وإنما فقط مناهج تتعلق بكيفية عمل تلك الوصفة أو الطبخة.

وبمجرد ذكر اسم الطباخ كعنوان للكتاب، اعتبر الكتاب عن الطبخ، بينما الكتاب لا علاقة له بالطبخ وليس هناك وصفة واحدة عن الطبخ، وإنما الكتاب هو تاريخ العالم من خلال الطعام وطقوسه، وتأثير نوع وطقوس الطعام على المجتمع.

الطعام هو حاجة ضرورية لإدامة الإنسان منذ بداية الإنسانيات لآلاف السنين، واستمر كذلك حتى بعد أن تطور الإنسان، وظهرت الحضارات. والطعام يختلف عن الحاجات الأخرى، التي من الممكن أن يتخلى عنها البشر، فله دور فعّال في تطور وجود الإنسان.

وبظهور الحضارات ونشوء الطبقات، ظهر للطعام دور آخر، ولم يقتصر على ضرورة إدامة الإنسان فقط، بل استعمل كسلاح طبقي. فمثلاً كان يوضع عدد أطباق الطعام المختلفة حسب أهمية الشخص؛ إن كان ملكاً أو حاكم مقاطعة، ويقل عددها حسب مرتبة الشخص الاجتماعية. أما في العصور الوسطى فكان يجلس رئيس المقاطعة حول نفس المائدة التي يتناول أتباعه معه الطعام. ويختلف عندئذ عدد أطباق الطعام أمام كل منهم على نفس المائدة، حسب الأهمية الاجتماعية وموقع ذلك الشخص في تلك الهرمية، بالرغم من انهم جالسون حول نفس المائدة.

لكن تطور الطعام لدرجة البذخ والإسراف في العصر الروماني، حتى كتب وصف لتلك الموائد، وخرجت عن كونها حاجة ضرورية وإنما أصبحت بالاضافة إلى ذلك حاجة استطيقية؛ فالطعام لم يعد سلاحا طبقيا فقط وإنما استطيقي؛ فبرز الطباخ في إظهار مهارته الفنية في عرض مسرحي للطعام أيضاً. وصمم الطعام على اشكال مختلفة، شملت الطبيعة من الطيور والحيوانات وبناء قلاع مع حراسها.

كما كان للسكر في العصور الوسطى في أوربا، دور في إظهار براعة الطباخ/ الحلوجي، فتفنن في إظهار مهارته، وأصبحت له دائرة خاصة في المطابخ الكبيرة في القصور، يعمل بها مع مساعديه.

وشمل عصر النهضة الى حدٍ ما الطباخ في تفرده عن الآخرين، خاصة في إيطاليا، ثم فرنسا. ولكن النقلة المهمة حدثت في القرن التاسع عشر في أوربا، عندما بدأ الطباخ هو الذي يختار صاحب القصر أو المقاطعة التي يعمل عندها، وعندما لا يعجبه الوضع، فإنه يترك العمل وينتقل إلى مكان يستطيع أن يتوفر له حرية الإبداع، وهذا ما حصل مع الطاهي الفرنسي كارم Careme الذي تنّقل في أوربا وعمل عند قيصر روسيا وولي عهد بريطانيا، وعندما وجد أنه لا يستطيع أن يسخّر قابليته وينجز ابتكاره بأعلى حرية متاحة له، ترك العمل وانتقل إلى فرنسا. وهو الذي ا?تكر المطبخ المعماري، وهو فن زخرفة الطعام بطريقة معمارية، لأنه كان مهتما بالتطور المعماري أيضاً.

كما ظهر ذواقة الطعام، بظهور الطبقة البرجوازية في أوربا، والكتابة عن الطعام حتى من قبل بعض المفكرين والكتاب في أوربا. واعتبر الطعام الآن كالفنون الأخرى، بالرغم من أنه فن زائل بمجرد أن يقدم من قبل الطاهي ويؤكل من قبل الزبون، لكن نجح الرسم في العصور السابقة في توثيقه، كما إن التقدم الفوتغرافي عوض من هذه المشكلة، فباستطاعة الطاهي أن يخلد ابتكاره ويبقى بالزمن. 

لكن مع الأسف ما زلنا في العالم العربي، لا نعير أهمية كافية للبحث والكتابة عن هذا الموضوع، وهو موضوع مرتبط بالتقدم الحضاري والاجتماعي.

ف.ل: كيف تنظرين لما آل إليه الوضع العراقي حالياً، وما هي ممكنات التخلص من آثار مرحلة صعبة يمر بها بلدنا العزيز؟

 

ب.ش: احس بألم يحز في أعماقي، عندما أرى ما آل إليه العراق من تشرذم وتخلف، وتدمير للبنية الاجتماعية؛ خلفتها تراكمات الحكام والسلطات التي تعاقبت في إساءة إدارة البلد  خلال الخمسين سنة الماضية، والذي أدى بدوره إلى التشرذم الطائفي والقبلي والعنصري.

ليس من السهل التخلص من آثار هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها العراق. ويحتاج الحل إلى عقود عدة.

إذ يجب أن تبدأ العملية في تربية الأطفال تربية صحيحة في مرحلة الروضة بعيدة عن التلقين، ويجب ألا يتعرضوا في البيت إلى توجيه ديني يحد من حرية الفكر. لذا حسبما أعتقد، يجب أن يفصل الدين عن الدولة، وهو الحل الوحيد الذي يؤدي بنا إلى التقدم، فلولا فصل الدين عن الدولة في أوربا، التي دامت لمدة طويلة في معارك مع الكنيسة، والتي كانت مهيمنة على الفرد والدولة، ولولا ذلك القطع بالضبط مع القرون السابقة لعصر النهضة، لما وصلت أوربا إلى هذا التقدم، ولكانت ترزح تحت عقلية القرون الوسطى التي كانت سائدة آنذاك.

ثم تأسيس مدارس وجامعات مستقلة، مبنية على العلم بعيدة عن الاساطير الدينية. وإيجاد كادر علمي، علماني مستقل عن الدولة، لتدريس الأجيال القادمة؛ فالعالم يحاول أن يصل إلى اكتشاف أصل الكون الآن، ونحن ما زلنا نجد بعضا من العراقيين يفضل تطبيق الرؤى والمفاهيم الدينية والعشائرية في حل المشاكل الاجتماعية في العراق، بدلاً من العلم والمنطق المعمول به في غالب العالم المتقدم.

ثم علينا رفع مستوى الريف، ولا يكون هناك فرق كبير من حيث الخدمات الرئيسية بما في ذلك الترفيهية، بين القرية والمدينة، وإلا سيبقى العراق متخلفا؛ فكلما نمت طبقة وسطى في المدينة، جاء الريف وقضى عليها، وهذا ما حدث في تاريخنا الحديث، خلال النصف القرن الماضي.

كما يجب إعادة النظر في قانون الإنتخاب؛ ففي اعتقادي أن مركز خطأ الأحزاب اللبيرالية والتقدمية واليسارية، هو انها عملت على منح الفرد العراقي، الريف والعامة، حق التصويت، ما أدى لوصول قادة جاهلين إلى السلطة يمثلون تلك الطبقات؛ فكان الأصح أن يمنح حق التصويت فقط الحاصلين على الثانوية. وهذا ما قامت به دول مثل بريطانيا منذ القرن التاسع عشر، فلم تمنح التصويت للعامة إلا في القرن العشرين بعد أن أصبح التعليم إجباريا، وأصبح هناك طبقة وسطى متعلمة قوية.

لذا أعتقد أن العراق يجب أن يبدأ في إعادة التأمل، لكي يتمكن تقبل متطلبات الحداثة، وإن كان الطريق طويلا وشائكا، لكني متفائلة من أنه سيقطع هذه المرحلة المظلمة التي بسبب دفع سيرورة الحضارة بعامتها، ربما يقطعها خلال عدة عقود. وهي مدة قصيرة في تاريخ الأمم والشعوب.

 

 

************************