install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

كلمة ادب وفن

 أبو زيد العراقي

 فتحي زين العابدين

 

اشتهر سيغموند فرويد 1856 - 1939 مؤسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث في بداية القرن الماضي بتقسيمه الحياة النفسية الى الوعي واللاوعي والضمير، وصياغة افكار واراء حول فطرة الانسان ووجوديته وطبيعته النفسية، وسبر غور النفس البشرية بغية تحليلها والتعرف عليها، لمعالجتها من ادرانها المكبوتة.

مكنون اللاوعي هو مجموعة الدوافع اللاشعورية والرغبات غير المشروعة وذكريات اخرى مخالفة للوعي والضمير، وكل ما هو مخالف لطبيعة الانسان السويّ ويعبر عن نفسه بالاحلام ومظاهر العصاب المختلفة كالهلوسة والهستريا والمخاوف من المجهول وغيرها من الامراض النفسية التي تتجلى كتفاعلات ذات آثار خارجية.

لا جرم ان الأحلام والكوابيس كظاهرة إنسانية تدل على وجود هذا العالم الخفي عند الإنسان،       نابضا بالحياة والديناميكية يعبر بها الانسان عن تطلعاته وامانيه ورغباته المكبوتة.

فلو حاولنا ان نطبق هذا المنهج وهذه النظرية التي غيرت الرؤية النفسية للعالم من حولنا حول العقل البشري على الانسان العراقي ونستحضر مفردات الخزين الذي في لاوعيه، ستجعلنا معطيات هذه المحاولة والمراجعة ندرك أيّ أناس نحن؟ وأيّ مجتمع؟ والى أين نتجه؟ وما هي مسيرتنا في التغيير الثقافي؟

ان الفرد يشكل جزءا مهما في التجربة الانسانية، شاهدا أو فاعلا، ويلعب وعيه دورا في تشكيل معناها، فخير التجربة وشرها رهينة بنظرته إلى الحياة، وهذه النظرة في المحصلة خلاصة وراثية وبيئية.

 

بعد الاحتلال

استمرار مسلسل التفجيرات وعمليات القتل والاغتيالات وما نراه على شاشات التلفاز ووسائل الاعلام الاخرى من تقارير سياسية مرعبة وجرائم وانتهاكات وقتل على الهوية وصراع المذاهب الطائفية والفضائح وسرقة المال العام بموقعة (الحواسم)، والميليشيات والتنظيمات الارهابية المتطرفة التي جعلت العراق موسوعة للإرهاب المنظم، والتي بات المواطن العراقي شاهدا وحجة عليها. ويعرف أيضا ان تنفيذ هذه الأجندات الخارجية يأتي لتهميش العراق وإبعاده عن دوره التأريخي في المنطقة ليكون تابعا، وقد ارتضى بعض السياسيين هذا الدور، ولعل آفة الفساد ا?مالي والإداري وهو الوجه الثاني للإرهاب، مازال  مستشر في الدولة العراقية ويبدو ان هناك مافيات تسهل انسيابية الفساد دون رادع او وخز من ضمير.

كذلك الصراعات السياسية بين الكتل كمخطط لخلق الفتنة بين مكونات الشعب العراقي فهي  تساهم أيضا في ارتكاب جرائم خطف وقتل وسلب لافشال العملية السياسية الفتية الناشئة في العراق - واصابع الاتهام تشير بين الفينة والاخرى الى متنفذين في الدولة - اضافة الى الفقر والبطالة التي بلغت 46 % وصراع المركز والاقليم حول النفط وصراع الدول الكبرى على منابعه هذا عدا الصراع المستديم مع دول الجوار والصراع الأزلي من اجل لقمة العيش والازمات الاسرية.

كل هذا انعكس في لا وعي ووعي الانسان العراقي على شكل خوف مرعب من الواقع والمستقبل، ذكريات مريرة وفوضى عارمة خلطت الحابل بالنابل لا تميز بين الخير والشر، ان قدر الانسان العراقي جعله في طليعة البشر في امتحان القدرة على التحمل ربما بسبب عمقه التأرخي وتأثير مسيرته في الحضارة البشرية وايضا لما يتمتع به من قوة واباء وتحد مع حضور اجتماعي واخلاقي، وتخلفه عن الركب بسبب وقوعه في الخطأ لسوء تقدير او سوء فهم نتيجة تسرعه وتهوره وغطرسته لتحكم العواطف في مواقفه. لذلك يمكن اعتبار الشخصية العراقية، شخصية مأساوية مع سمو وابا? لانها تتحمل مسؤولية مواقفها، لان للثبات على المبادئ والدفاع عن الوطن ثمنا باهضا لذلك نراه يتقبل مصيره ذاعنا، وهذه سمة من سمات البطل التراجيدي، كأبي زيد الهلالي لشجاعته في اجتياز المحن والمصاعب، ولغز أبي الهول الفرعوني، وكلكامش في سطوته وجبروته.

مدرسة التحليل النفسي تعتبر اللاوعي جزءا هاما من الشخصية كونها تحتوي على مجموع الميول والغرائز والرغبات والقوى النفسية الباطنية كالاحلام وزلة اللسان والاضطرابات النفسية.

فإلى متى تبقى هذه الهواجس المريضة والاحلام المريرة والكوابيس المرعبة قابعة في لا وعي الإنسان العراقي؟، جاثمة على صدره دافعة إياه إلى الإذعان والخنوع.

لا اعتقد ان الشخصية العراقية ميالة الى الانتحار، كما آل إليه حال سيغموند فرويد بسبب السرطان الذي اودى بحياته نتيجة ادمانه على التدخين بل اعتقد برأي احد الفلاسفة الذي سيضع حدا لهذه المهزلة ولهذا التجاوز على كرامة الانسان وحقه في الحرية والحياة: ان أي نظام يحمل بذور موته وبذور النظام الجديد. وفي مقدمتها بذور الثقافة، ولا شك ان الإنسان العراقي سيبقى وسيشكل علامة بارزة وقدوة يعتد بها في الذاكرة الجمعية لأمته وللأمم الأخرى على ما لاقاه من أهوال وشدائد.