install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

.. عن ذبح الإنسان وتأريخه

صار ربيع 2015 أسود وأصابت المعمورة برمتها صدمة مرعبة، من الصور والأفلام البشعة التي عرضت شياطين داعش وهي تهوي بفؤوسها على الآثار الآشورية في متحف نينوى بالموصل وعلى آثار الحضر، ثم وهي تفجر وتجرف مدينة النمرود الأثرية، بهمجية واستهتار وتنكيل واجرام بحق التأريخ البشري كله.

فبعد خطف الإنسان وتعذيبه وحرقه والتمثيل بجثته، يأتي أولاء الهمج الذباحون ليدمروا تأريخ الإنسان وانجازاته وحضارته التي بناها بعقله على مرّ آلاف السنين، لاسيما في هذه البقعة المباركة التي هي مهد الحضارات، ومبتدأ الحرف والرسم والعزف والتصوير والتحنيط والطب والهندسة.

إن تدمير التأريخ والحضارة والذاكرة والعقل لا يستحق الاستنكار فحسب، بل اتخاذ حكومتنا وحكومات العالم لخطوات تحفظ الآثار باعتبارها ملكا للبشرية جمعاء، والعمل الجاد لإنقاذ ما تبقى، والاهم تجريم هذه الأعمال العدوانية الباطشة بالقيم الإنسانية.

 

 

 

 

 

لقد هوى العملاق البغدادي

 

خليل شوقي ممثل ومخرج. رحل في التاسع من نيسان 2015 في مدينة لاهاي بهولندا عن 91 عاما حافلا. ليضاف إلى الخسارات العراقية الأخرى، فبين فينة وثانية يغادر سماءنا المنقبضة نجم فيزداد الشحوب. ولد فناننا الكبير عام 1924 ببغداد، وارتبط بالفن بتشجيع من أخيه الأكبر، دخل قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة ببغداد مع بداية تأسيسه، لكنه هجر الدراسة فيه بعد أربع سنوات، وما لبث أن عاد إليه ليكمل دراسته ويتخرج منه عام 1954 حاملاً معه شهادة الدبلوم في فن التمثيل.

عمل موظفًا في دائرة السكك الحديد فأشرف على وحدة الأفلام فيها وأخرج لها العديد من الأفلام الوثائقية والإخبارية التي عُرضت في تلفزيون بغداد بين عامي 1959 و 1964. ويعد فناننا القدير شاملا في مواهبه، فقد جمع بين التأليف والإخراج والتمثيل وغطى نشاطه الفني مجالات المسرح والتلفزيون والسينما والإذاعة. لقد كانت بدايته مع المسرح وكان من مؤسسي الفرقة الشعبية للتمثيل عام 1947، ولم تقدم الفرقة المذكورة آنذاك سوى مسرحية واحدة شارك فيها الفنان خليل شوقي ممثلاً وكانت تحمل عنوان شهداء الوطنية وأخرجها الفنان إبراهيم جلا?. وفي عام 1964 شكّل فرقة مسرحية بعنوان جماعة المسرح الفني بعد أن كانت إجازات الفرق المسرحية (ومنها الفرقة المسرحية المشهورة فرقة المسرح الحديث التي كان ينتمي إليها) قد ألغيت عام 1963، وقد اقتصر نشاط الفرقة المذكورة على الإذاعة والتلفزيون. وكان أيضا ضمن الهيئة المؤسسة التي أعادت عام 1965 تأسيس (فرقة المسرح الحديث) تحت اسم فرقة المسرح الفني الحديث وانتُخب سكرتيرا لهيئتها الإدارية، وأخرج لها مسرحية الحلم عام 1965، وهي من أعداد الفنان قاسم محمد.

ومن أشهر أدواره المسرحية التي قدمها ممثلاً دور مصطفى الدلال في مسرحية النخلة والجيران (وكان تناغم أدائه مع أداء الفنانة الكبيرة زينب مثيراً للإعجاب)، وكذلك دور البخيل في مسرحية بغداد الأزل بين الجد والهزل، ودور الراوية في مسرحية كان ياما كان، وهذه المسرحيات ثلاثتها من إعداد الفنان قاسم محمد.

أما في مجال الإخراج السينمائي فقد تهيأت له فرصة عام 1967 لإخراج فيلم الوحيد الحارس. وقد شارك هذا الفيلم، الذي كتب قصته المخرج قاسم حول، في عدد من المهرجانات السينمائية، ففاز بالجائزة الفضية في مهرجان قرطاج السينمائي عام 1968 كما فاز بجائزتين تقديريتين في مهرجاني طشقند وكارلو فيفاري السينمائيين. واشترك في تمثيله : زينب ومكي البدري وقاسم حول وسليمة خضير وكريم عواد وفاضل خليل.

ويعدّ الفنان القدير خليل شوقي رائدا من رواد العمل التلفزيوني بالعراق. فقد عمل في تلفزيون بغداد منذ عام 1956 وهو عام تأسيسه، عمل مخرجا وممثلا. وكتب أول تمثيلية للتلفزيون، ومن أبرز أدواره التلفزيونية: دور قادر بك في مسلسلي الذئب وعيون المدينة والنسر وعيون المدينة اللذين كتبهما عادل كاظم وأخرجهما إبراهيم عبد الجليل.

رحل الكبير خليل شوقي وترك خلفه بيتا كاملا من بنات وأبناء وأصهار ينطق بالفن الملتزم الراقي، ولسنوات كان البيت ذاته مأما للجلسات الحميمة والاجتماعات الزاخرة بأسماء الرابطة والشبيبة والحزب الذي ربى وما يزال. 

رحل الكبير خليل شوقي وترك اسمه ورسمه في بيوتاتنا كلها .

  

.. وأيضا هوى الخال العملاق

 

ترجل عن صهوة القافية الشعبية أحد فرسانها الكبار ألا وهو عبد الرحمن الابنودي الذي نعته الرئاسة المصرية بقولها مصر والعالم العربي فقدا شاعرا عظيما وقلما أمينا ومواطنا غيورا على وطنه وأمته العربية. فقد رحل يوم الثلاثاء 21 نيسان 2015 عن عمر يناهز 76 عاما بسبب كثرة التدخين مما تسبب بضرر في رئته.

ولد الأبنودي عام 1939، بقرية أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر، وكان أبوه يعمل مأذون القرية. أحب الشعر منذ نعومة أظفاره، وفي سنوات الصبا بالقرية نظم عددا من القصائد، وبالأمس اتّشحت أبنود ، بالسواد، حدادا على رحيل ابنها الشاعر.

شكل الأبنودي مع الشاعر أمل دنقل والقاص يحيى الطاهر عبد الله مثلثا أدبيا جنوبيا متوهجا، بعد أن اقتحموا العاصمة القاهرة في ستينات القرن الماضي، وأثاروا عاصفة فنية في الوسط الأدبي آنذاك.

سجن عام 1966 لانتمائه الشيوعي. كان معه في التنظيم نخبة من الكتّاب والفنانين، أبرزهم جمال الغيطاني، وصلاح عيسى، وصبري حافظ، والناقد ابراهيم فتحي. أفرج عنهم استجابة لشرط وضعه المفكر الفرنسي جان بول سارتر لزيارة مصر قبل أيام من نكسة الـ 1967، وقد كتب لاحقا عدة قصائد تخليدا لأيام اعتقاله في سجن القلعة.

أثناء اعتقاله أخذت المباحث مخطوطة ديوانه المخصص لزوجته فاطنة عبد الغفار، وأوراقا أخرى. يقول الأبنودى: اعتبرت كأني لم أكتبه، وحاولت نسيان الأمر فلم أفلح، وذات ضحى يوم شتائي، هتف بي حراجي لأكتبه، فاندلعت الرسائل متتابعة بِكَرا، كأنني لم أكتبها من قبل.. أنجزته خلال أسبوع، ودفعت به إلى المطبعة من دون مراجعة، كأنه تحد لمن اغتصبوا حراجي الأول.

ورغم الموضوعات الظاهرية التي ناقشتها القصيدة؛ إلا أن هنالك رسالة سرية تم وضعها بخفة ومهارة بين طيات النص، بصورة مبسطة ومخفية.

ومن أبرز إسهاماته في مجال التراث الشعري الشعبي هو جمعه وتحقيقه السيرة الهلالية التي ظل لسنوات يجمعها من شعراء الصعيد.

وفي فضاء الأغنية، كتب الكثير للمطربين الكبار منهم (عبد الحليم حافظ - محمد رشدي - فايزة أحمد - نجاة الصغيرة شادية - صباح ماجدة الرومي وردة). وكتب الأبنودي مجموعة كبيرة من الأغنيات الوطنية من أبرزها اضرب، وابنك يقولك يا بطل هات لي النهار، واحلف بسماها وبترابها التي لم يبدأ عبد الحليم أيا من حفلاته إلا بها حتى انتصار الجيش المصري في 1973، وكانت أغنية عدى النهار تنفرد بحضور كرنفالي لأنها تنفرد بحضور خاص في تاريخ الأبنودي ذاته، حيث جسدت الشجن والتحدي وحلم الانتصار.

 

الثقافة الجديدة