install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

قصص الحبّ

فرات المحسن

مواليد عام 1949 قلعة سكر / ذي قار. خريج جامعة بغداد كلية الآداب قسم اللغات الأوربية / اللغة الروسية عام 1975 ـ 1976. منذ انتقاله إلى السويد مستهل التسعينات الماضية، شارك في العمل التطوعي لعدد من منظمات المجتمع المدني العراقية العاملة هناك، ومارس العمل الصحفي رئيسا وسكرتيرا لتحرير مجلاتها.

أصدر عام 2010 في السويد مجموعة قصصية بعنوان فيما تبقى، دوّن فيها ما عافته الحرب من خزين أوجاع وعاهات وتشوهات في أرواح البشر وأجسادهم. ينشر مقالاته وقصصه في الصحف والمجلات والمواقع العراقية.

عيد الحب الأول

 

لسعة برد جعلته يرفع ياقة سترته ليغطي بها رقبته، ثمة مرور كثيف للبشر، وحمرة الغروب ترتمي فوق سطوح البنايات. فضل الوقوف في الزاوية اليسرى من شارع السعدون عند بقايا مكتبة المثنى التي ما عادت تعني لصاحبها قاسم الرجب غير وجع في القلب. وقف مسمرًا جوار الحائط الذي لوثته بقايا ملصقات الانتخابات الماضية، حمل بيده اليسرى باقة ورد جوري أحمر وراح يطالع المارة بشغف وطيبة، وثمة ابتسامة ترتسم عند غمازتين تطرزان خديه.

 مساء البارحة في سريره الذي يصرّ عند أقل حركة منه، فكر بالغد الذي هو يوم الحب، نعم يوم الحب، كلمة تطرق قلبه بتوجع لذيذ. وحيدا كان في  تيهه ويقينه، شعر بثقل ذلك التفكير وهو يحاور نفسه عن يوم غد، لا حبيبة تنتظر تودده وقبلاته وهداياه. تبسم وهو يلوك كلمة هداياه، تذكر مقدار ما يملكه لشراء هدية ولمن سوف يهديها في هذا اليباس الذي يلف عالمه. ليس هنا سوى أمّ عجوز تدثرت في فراشها قرب باب الغرفة تحملت سنواته الأربعين بأوجاعها وفرحها ومتاهاتها، وهبته كل شيء استطاعته، وسفحت عليه سني عمرها حبا دون كلل، ومن طرف في غطاء ا?سرير ترقبه الآن بابتسامتها الرقراقة التي اعتاد أن تمنحها إياه لتطمئنه وتطمئن نفسها بوجوده.

فكر، الحب لجميع الناس ربما يعوض القلب عن فقدان فرح، كيف يستطيع أن يُفْرح البشر في عيد المحبة، أن يبث في أجسادهم وأرواحهم فرحًا غامرًا ومحبة دون أن ينتظر منهم ثمنا. ليس بحاجة لثمن، فهو يودّ فقط أن يجعلهم يعافون الأحقاد ولو لساعات. أن يذكرهم بيوم الحب، يسعدهم ويجعلهم يشاطرونه احتفال هذا اليوم.

* * *

مدّ يده ولوّح بوردة، تلقفها عجوز رثّ الثياب وابتسم وهو يشمّها بنفس ذابل.

قفز صبي عابث وبلمح البصر خطف الوردة من يده الممدودة، ضحك ملء شدقيه وهو يراقب الصبي يختفي وسط الزحام وهو يلوّح له من بعيد بالوردة.

مدّ يده ولوّح بوردة لفتاة اقتربت، أشاحت الفتاة وجهها عنه وأسرعت في خطاها.

مدّ يده ولوّح بوردة لأخرى ترتدي بلوزة بيضاء رسم عند صدرها صورة لمنظر شاطئ تظلله نخلات، أخذت الوردة وقربتها من أنفها وقالت: ما سعرها؟.

- ليس بثمن أنه يوم الحب وأنت تستحقينها.

رمت الوردة بوجهه بكل ما أوتيت من قوة.. وراحت مسرعة تثرثر بموجة من شتائم.

 

العيد الأخير للحب

 

لسعة برد جعلته يرفع ياقة سترته ليغطي بها رقبته، ثمة مرور كثيف للبشر، وحمرة الغروب ترتمي فوق سطوح البنايات. فضل الوقوف في الزاوية اليسرى من شارع السعدون عند بقايا مكتبة المثنى التي ما عادت تعني لصاحبها قاسم الرجب غير وجع في القلب. وقف مسمرًا جوار الحائط الذي لوثته بقايا ملصقات الانتخابات الماضية، حمل بيده اليسرى باقة ورد جوري أحمر، وراح يطالع المارة بشغف وطيبة، وثمة ابتسامة ترتسم عند غمازتين تطرزان خديه.

 مساء البارحة في سريره الذي يصرّ عند أقل حركة منه، فكر بالغد الذي هو يوم الحب، نعم يوم الحب، كلمة تطرق قلبه بتوجع لذيذ. وحيد كان في  تيهه ويقينه، شعر بثقل ذلك التفكير وهو يحاور نفسه عن يوم غد، لا حبيبة تنتظر تودده وقبلاته وهداياه. تبسم وهو يلوك كلمة هداياه، تذكر مقدار ما يملكه لشراء هدية ولمن سوف يهديها في هذا اليباس الذي يلف عالمه. ليس هنا سوى أمّ عجوز تدثرت في فراشها قرب باب الغرفة تحملت سنواته الأربعين بأوجاعها وفرحها ومتاهاتها، وهبته كل شيء استطاعته، وسفحت عليه سني عمرها حبا دون كلل، ومن طرف في غطاء ال?رير ترقبه الآن بابتسامتها الرقراقة التي أعتاد أن تمنحها إياه لتطمئنه وتطمئن نفسها بوجوده.

فكر، الحب لجميع الناس ربما يعوض القلب عن فقدان فرح، كيف يستطيع أن يُفْرح البشر في عيد المحبة، أن يبث في أجسادهم وأرواحهم فرحًا غامرًا ومحبة دون أن ينتظر منهم ثمنا. ليس بحاجة لثمن، فهو يود فقط أن يجعلهم يعافون الأحقاد ولو لساعات. أن يذكرهم بيوم الحب، يسعدهم ويجعلهم يشاطرونه احتفال هذا اليوم.

مدّ يده ولوّح بوردة، تلقفها عجوز رثّ الثياب وابتسم وهو يشمّها بنفس ذابل.

قفز صبي عابث وبلمح البصر خطف الوردة من يده الممدودة، ضحك ملء شدقيه وهو يراقب الصبي يختفي وسط الزحام وهو يلوّح له من بعيد بالوردة.

مدّ يده ولوّح بوردة لفتاة اقتربت، أشاحت الفتاة وجهها عنه وأسرعت في خطاها .

توقفت جوار الرصيف سيارة فورد بيضاء صغيرة خرج منها شابٌ بملامح رقيقة وملابس معتنى بها وبعينين قلقتين وكأنهما تبحثان في المكان عن شيء مفقود. سار جواره ثم تخطاه، عاد أدراجه مسرعا وطلب منه وردة فناوله إياها وابتسامة فرح غامر غطت محياه.

ـ أرجو أن لا تبعد نظرك عن سيارتي، لن أتأخر بضع ثوان لا غير، أدخل المكتبة ثم أعود.

بضع ثوان لا غير بعدها اهتز المكان وارتجت الأرض من هول الانفجار.

حين انقشع الغبار كان جسده الواهن مسودًا دون ملامح، يرتعش، ينتفض كبقايا كومة لحم متفحم وثمة كفّ تطبق أصابعها حول حزمة من أغصان والدم اختلط بوريقات الورد ليغطي الجدار الذي اختفت عنه ملامح ملصقات الانتخابات الماضية.

 

عراقيون

 

كانت الأرض الرخوة تلتصق بسرةَّ السماء دون فكاك، تتلوى معها غنجا كلما رقصت الريح بين طيات أحشائها، وكانت الأرض تدور وتدور في حضن أمها السماء، وقحة دون حياء ترقص. كان هذا قبل تدوين مفردات التاريخ  البشري. الرب أنليل لا يستحي، يضاجع عشيقاته من الآلهة في اليوم ألف مرة، دون أن يكون هناك في الأفق وليدٌ حتى وإن كان خديجا أو كسيحا. في تلك الآلاف مما قبل التاريخ المدون، ملّ أنليل عشيقاته وضجر من وحدته، فهبط من عرشه السماوي ، واختلى بعيدا وحيدا عند صخرة قصية في برية موحشة. هناك سمع صوتا، ريحا،  صفيرا ثم همسا.

ـ يا أنليل اترك كل شيء واذهب لتجمع، أن اجمع..

ـ ما الذي أجمعه ، من سواي في البرية، لا أحد قبلي ولا بعدي...

ـ اجمع ولا تسأل، اجمع  بذرة ثم بذرة.

جاب أنليل طول البرية وعرضها، نهارا وليلا، شتاءً وصيفا، عاما بعد عام، كان يجوب البراري ويقطف البذور أو يخطفها. وقف عند مرتفع أسماه أريدو ومد يده فأخذ بذرة وخبأها في خرجه وفعل مثل ذلك عند مرتفع آخر، أطلق عليه اسم أور، ثم وصل عند حفرة سماها لارسا وأخذ منها حفنة من حبوب، وعند ساق عوسجة يابسة، أطلق عليها تسمية لكش وجد فرط حبات فامتلكها، وراح غربا حيث صخرة صماء تربعت تلة جرداء التصقت فوق سطحها بذرات سود، وهنا قال ليكن اسم التلة شروباك، وكان على مسافة مائتي عام منها صخرة ملساء تحت إبطها الشمالي كومة من بذور، أصبح? دالتها مذ ذاك الزمان نيبور. في الشتاء الرابع قبل ألف التدوين حطت قدماه عند رابية سماها كيش التي بخلت ببذورها ولم تمنحه غير واحدة كانت عليلة ولكنه قبلها راضيا، مثلها فعل عند كومة الحصى التي ناداها عاليا باسم نفر، وسرق من بين نثارها حبات وفيرة بعد لهاث ونضح عرق.

عاد أنليل في الألف قبل التدوين إلى أرض حصباء ورملية أيضا تقبع عند قدمي وادي سمي بذي زرع،  فحفر شقا في الأرض وأفرغ ما في جعبته من بذور، وسحب غيمة ماطرة دسها مع البذور في الفج العميق ذاته، ثم استوى على الأرض وأسرع ففصل السماء مقصيا إياها خلف الريح فزمجرت رعدا وبرقا.

  نادت على أنليل عشيقاته ربات الجمال الغنوجات، أن لا تفعل هذا، احذر هذا، فأغلق أذنيه وشاح بوجهه عنهن وراح يتأمل الأرض حيث دفينته وبدأ ينشد قصيدة المعول البناء.

* كنت بدءا، وفي البدء كان الفقير

مت، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم

كم حياة سأحيا.. ففي كل حفرة

صرت مستقبلا صرت بذرة

صرت جيلا من الناس، في كل قلب دمي

قطرة منه أو بعض قطرة

عند الألف الأول تعالى صراخ مفزع، وضجيج مرعب عمّ الكون، وبدأت الأرض تتشقق، وظهرت في اليوم الأول من الألف المدون خيوط خضراء تتمايل مشعة ببريق غريب غطت الأرض وغمرتها بالغابات والبساتين والقصب. بعدها ظهرت أياد ورؤوس تنظر نحو السماء مبتهلة مرددة مع أنليل قصيدته .

كنت بدءا، وفي البدء كان

صرت مستقبلا صرت بذرة

صرت جيلا من الناس، في كل قلب دمي

قطرة منه أو بعض قطرة

إنها بذرات البشر الأولى تخرج زرعها، تفقس من رحم الأرض بمباركة الإله أنليل ومن ثم تخرج راكضة في البرية. ظهر الفقراء فلوّح لهم أنليل مبتسما، خرج العبيد فعبس، ثم في أعقابهم ظهر الصناع والفلاحون فهلل أنليل، ثم توالى الظهور وقذفت شقوق الأرض أمراءً وملوكا يتبعهم الشعراء ويتحلق حولهم الغاوون، فابتهج أنليل، بعدها جاء دور الحواة، قادة وقوادون، ملاك أرض وأجراء، رجال مثليون ونساء سحاقيات، لصوص تتعقبهم شرطة، راقصون وراقصات، ممثلون ومحدثون، رواة ومؤرخون، أصحاب المهن الحرة، نساءً كانوا ورجالا، صبية وصبايا بوجوه مليحة وق?يحة.

تنفس أنليل الصعداء وهو يرى أبناءه البشر يُخلقون في اليوم الأول من ألفية التاريخ المدونة الأولى، فارتاحت نفسه وانبسطت أساريره، واشتهى جرعة شراب من الفردوس، فاليوم يجد في مملكته الخاوية من يتحكم بهم ويطيعون أوامره ويستسلمون لغضبته، يتناسلون وفق مشيئته ويتقاتلون برغبته، يتصالحون لمحبته ويضجرون ويفرحون به ومن حوله، ومَن عصى قراراته فالويل والثبور له. وما هو العقاب ؟. تلك اللحظة احتار أنليل في هذا الكلمة، وما العقاب؟. ولكنه تملى  بنظرات حادة نتاج بذراته فوجد أن ما علق بأدرانها خلق آخر لا يشبهها، ولكنه من صلبها ?ماثله في الطباع وتشاطره العادات، خلق كثير تجرجره وراءها بتثاقل وكأنه وليدها، عناكب وخفافيش وكلاب وذئاب وصراصير وخنافس وضباع ونسور ونوارس وعقبان وزواجل وغربان وسحالي وقطط، دببة وأفاع وثعابين وكواسر، دود كبير وصغير، كذلك حمير وجمال وبغال صبورة معافاة، خيول وأسود ونمور وثعالب وقرود راقصة، طيور مزقزقة وهادلة، وكان للقراد مستقرا على الأجساد، جميعا رافقت هذا الخلق لتكون صنوا له في حياته.

كان أنليل جالسا على عرشه مرتاحا فرحا يتملى شعبه الذي خـُـلق في اليوم الأول من الألف المدونة الأولى  في التاريخ، في أرض ندية تجري من تحتها الأنهار، فهتف عاليا ما اسمكم أيها الخلق العظيم، ما اسمكم يا نتاج البذرة الأولى في هذه البرية، فدوت صرخة ارتجت لها أركان البرية، نحن السومريون ذوو الرؤوس السود، فصاح أنليل معترضا، كلا ، أنتم يا شعبي غير هذا وكل هذا وبعض هذا، اصمتوا وإلا أرجعتكم لبطون الأرض وظلامها الأبدي، اصمتوا وإلا ذركم عصفي مثل سنابل خاوية، فلستم من يسمي الأشياء بأسمائها، فعم السكون الأركان. التفت أنلي? صوب الجهات الأربع ثم دسّ رأسه بين كفيه ودعك جبهته بحركة عجول وصدر عنه صوت نواح مسموع ثم رفع رأسه وقال بصوت متهدج:

- أنتم الأعراق تتناسلون وتتناسلكم أجيال بعد أجيال، أعلمكم أسرار الحياة  ولن تنالوا مني سرّ الأبدية ولكن الطعام والمال يغويكم فتظنون أنكم بها تخلدون.

فجأة ندت صيحة جماعية اهتزت لها أركان الأرض، صاحت عشيقاته من شاهق، وخالط صراخهن الرعد وتشققت طبقات السماء السبع لحظة ذاك الهدير المرعب.

- انهم أهل العراق يا أنليل.. أهل العراق.

فتبسم أنليل وسجل في ذاكرته، في اليوم الأول من الألف الأول المدوّن، ولد البشر الأول وأسميناهم  عراقيون.

 

أبناء الله والدولة

 

سياج الحديقة المطلي حديثا  باللون الأصفر الفاقع كان متكأنا البارحة، كنا السبعة من صبية المنطقة المتقاربين بالأعمار ويا للصدفة الغريبة فنحن نتشابه بالكثير من الملامح والأجساد لا بل حتى الثياب التي نرتديها كانت متقاربة في خطوطها وألوانها، لا أعتقد أن ذلك قد جاء مصادفة فقد نشأنا في بيوت متلاصقة متداخلة لذا كنا مثل عائلة واحدة، من النادر أن نختلف على ما يكون بعيدا عن مشتركاتنا وطباع وسلوك أهلنا، حتى المزاج نتشابه فيه عكس ما كنا نتشاجر عليه، والذي يعتبره أهلنا عراك صبية في بيت واحد، وما عادوا يولونه أهمية أو حت? انتباه.

جميعا خرجنا بمزاج لا يختلف عن البعض سوى ما ينقاد لخليط من الجينات المتلاقحة والمتوارثة ، حقيقة الأمر لم افهم هذا اللغز المحير ولكن هذا الموضوع يتحدث عنه أخي الكبير مشرق بإلحاح مشوب بالتهكم، ويؤكده دائما مشرق الآخر ابن خالتي حليمة، ربما تلك المعلومة من مساوئ التعليم الذي زج فيه المشرقان نفسيهما. يشاطرني الاعتقاد بتشابهنا مَن يتفرس فينا أو يتحدث معنا، وما زاد من تشابهنا، أننا ولحد اليوم أبناء لآباء عاطلين عن العمل، آباؤنا المرميون خارج الزمن لم نعرف عنهم غير العمل في حِرف لا يفصحون عنها، وتلك المهن محدودة وم?سمية وتبور في الكثير من الأحيان، حسب ما يعلنون، وما لا يعلنون، لا بل تتعرض للمد والجزر والعرض والطلب مع وضع المدينة بل البلد بأكمله. هكذا يقولون ويبررون بطالتهم الدائمة،  واختفاءهم القصير عنا، فالأوضاع السيئة للسوق جعلت الكثيرين من سكان الحي يفضلون الدردشة فوق أرصفة الشارع أو عند أبواب البيوت، هكذا يعلنون ونحن لسنا بعد أهلا لمناقشة مثل هذا الأمر أو الظن بغيره.

هكذا كانت الأيام لا بل الأشهر تسقط سهوا أو تعمدا من حساب الجميع. تدار بينهم ونستمع لها في الليالي المقمرات تلك الحكاية المملة الرتيبة والسخيفة،  يقال فيها دائما. آباؤنا كانوا قد قدموا إلى هذا الحي من كل فج. من مدن الشمال بجلال جبالها مثلما يقولون، من مدن الملح في الجنوب مثلما يصورون، من مدن الشرق حيث يستوطن الناس دون تعريف، كما يدعون، ومن الغرب أتوها حفاة بثياب رثة ودفوف ومزامير تعلن عن نفسها من بعيد. تجمعوا في تجاويف هذه البيوت الكالحة الألوان والمؤسية والقميئة، ليتعارفوا ويتقاسموا مصيرا واحدا.

 هكذا ذهبت بظنوني حول علاقتنا ووجودنا في الحي، نحن الذين يسمينا الكبار توددا عصابة صغار الذئاب، هل كنا فعلا ذئابا، من الجائز ذلك، فنحن مثلها نتشابه في السحنة وردود الفعل والعيون الصغيرة المتقدة وأحيانا كثيرة بحركات الجسد. ولو كان الفرو يغطينا مثلها لما ابتعدنا كثيرا عن شراهتها ووحشيتها.

البارحة كنا نحن المتشابهون السبعة والمساء يدفع حمرة الشمس خلف نخل البستان القريب، نتضاحك ونلهو ونتنصت لأصوات الأمهات المناديات على أطفالهن أن لا يبتعدوا عن الأبواب فنشعر بأن التحذير ما زال يشملنا رغم كنيتنا الذئاب، فتضغط أصابعنا على حديد السياج البارد.

ـ مدينتنا الأخرى كانت كبيرة قبل أن نأتي إلى هذا الحي.

ـ وكيف عرفت ذلك وأنت ولدت هنا ؟

ـ لا يهم ذلك فأمي حدثتني عن مدينتنا الكبيرة.

ـ وما كانت تفعله أمك هناك.

ـ حدثتني أمي عن جدي صاحب الثروة والبساتين والذي ما زال يعيش هناك.

ـ صاحب الثروة والجاه .. من أين جاءت خالتي حذام بتلك الحكاية؟! .. اذهب واسأل أباكَ الفاجر عن الحقيقة .. ابن الـ.....

ـ ومَن يا ترى أباه.. هههههه ؟

ضج الشارع بضحكاتنا وتشابكت أيادينا بالعراك. لم تكن مفردة ابن الـ.... لتعني شيئا ملوثا في حينا المخبول، فهي تتردد يوميا مثل كلمتي نعم وكلا، بل كانت مفردة تلوكها الألسن بتلذذ ولا تعني على الإطلاق واحدا منا دون سواه. تنسل من بين شفاهنا وتتكرر دون توقف أو حتى دالة، مجرد كلمة عابرة كنا  نلوكها وصدورنا مليئة بالهزل. ولكنها مثيرة وضاجة ومشاكسة.

مَن منا نطق بها أولا ومن هو المعني بها، لا يهم، فنحن خليط هجين بسحنة متشابهة. آباؤنا المنكسرون لا يبذلون جهدا في البحث عن أجوبة لكل ما يحدث، يتنفسون الجنس ودخان السجائر ويرتشفون بقايا الخمر الذي يعافه الزبائن. أمهاتنا مثل دجاجات ينخن بسهولة لأي ديك يراودهن عن أنفسهن، فتنشطر بيضاتهن عن أفراخ مثلنا يدعون بعد حين بعصابة صغار الذئاب. آباؤنا يفسحون المجال وينسلون تباعا خلف الأبواب يتنصتون التوجع والآهات مثلما يتمايلون مع المزامير وصوت الصناجات والدفوف، ومهمتنا نحن عصابة صغار الذئاب المتشابهة، أن نملأ الحي ضجيجا?وأن نترقب البعيد.

أخي الكبير مشرق وابن جارتنا مشرق الآخر وابن أختي الكبرى المسمى كذلك مشرقا، كانوا في وقت مضى عصابة صغار الذئاب مثلما يقولون، وقبلهم كان آباؤنا كذلك، سلسلة طويلة من ذئاب تكبر وتكبر. ولكن لم يفصح مشرق وقتها عن مغزى جملته التي أخبرني بها حين قال:

ـ نحن جميعا أبناء الله والدولة، ذئابا كنا أم دجاجات.  وراح في هستيريا من ضحك مجنون.

* مقطع من قصيدة المسيح بعد الصلب للشاعر بدر شاكر السياب