install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

كلمة العدد

نحو تدشين حوار حقيقي حول مضمون الإصلاحات الاقتصادية المنشودة

 البقية

ومن هنا فانه من أجل مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وخلق الشروط للتغلب على الأزمة العميقة، تنبثق الحاجة الى صياغة استراتيجية جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويشكل المدخل الى بلورة هذه الاستراتيجية تدشين نقاش عام حول برنامج للإصلاح، يشكل الخطوة الأولى والأساسية في محاولات الخروج من الأزمة. 

إن الإصلاح الاقتصادي المطلوب والمنطلق من الحاجات الملموسة لبلادنا في لحظة تطور ازمتها البنيوية المتعددة الصعد، لا يمكن ان يتحقق له النجاح إلا اذا كان جزءاً من رؤية إستراتيجية تحدد أهدافها بوضوح. ومن بين تلك الاهداف:

- ان تلعب الدولة في هذه المرحلة دورا متوازنا ومتكاملا مع السوق، لا طرفا ثانويا ومهمشا كما يريده صقور الليبرالية الجديدة.

- تغيير البنية المتخلفة والأحادية الجانب للاقتصاد العراقي وبما يمكن من خلق الشروط للحد من تبعيته لسلعة خام مصدرة (النفط). ومن هنا ضرورة اعتماد إستراتيجية للتنمية الاقتصادية الاجتماعية تتكفل بتحويل القطاع النفطي من قطاع مهيمن وكمصدر للعوائد المالية فقط (أي كمصدر للتكاثر المالي وليس للتراكم) الى قطاع منتج للثروات، ويكون قطبا لقيام صناعات أمامية وخلفية تؤمن ذلك التشابك القطاعي المطلوب لتحقيق إقلاع تنموي حقيقي وضمان تنمية مستدامة.

- إحداث تحول في بنية القطاع الصناعي التحويلي، وبما يمكن من خلق ديناميكية جديدة للتطور التكنولوجي، وذلك عن طريق إجراء تحديث تكنولوجي عميق من خلال التحويل المتدرج لهذا الهيكل نحو صناعات عالية التقنية، مع السعي كذلك لتطوير وتحديث الصناعات التقليدية كثيفة العِمالة لامتصاص البطالة المتفاقمة.

- تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة التوازن المختل للبنية الاجتماعية من خلال إعادة توزيع الثروة والدخل القومي وإعارة اهتمام استثنائي للفئات الاجتماعية التي تضررت من سياسات النظام المقبور.

وطبيعي انه ومن اجل ضمان نجاح هذه الاستراتيجية وتحقيق أهدافها فلا بد من توفر طائفة من الشروط، من بينها:

- إن ينطلق الإصلاح المنشود من الاحتياجات الفعلية الموضوعية لمجتمعنا في لحظة تطوره الراهنة والتي تكمن في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية بالاستناد إلى الإمكانات الذاتية من جهة، مع السعي لبناء علاقات متفاعلة ومتوازنة ومتكافئة مع الاقتصاد العالمي.

- تجاوز الجدل المفتعل حول دور كل من القطاعين العام والخاص من خلال التغلب على المسلمات الشائعة عند البعض بأن القطاع العام يعني الخسارة، وأن القطاع الخاص يعني الربح، وبالتالي يجب المباشرة بخصخصة فورية، إذ أن الواقع يشير الى وجود أمراض اقتصادية تنتاب كلا القطاعين، ويتعين العمل على تجاوزها بدل الانشغال في حرب المتاريس بشأن من يتحمل المسؤولية.

- ضرورة تفعيل التعددية الاقتصادية في هذه المرحلة باعتبارها خيارا استراتيجيا في هذه المرحلة الانتقالية المضطربة والمفتوحة على كل الاحتمالات. ولكي يأخذ مفهوم التعددية الاقتصادية مداه الأرحب لا بد من الإقرار الفعلي بأهمية الأدوار التي يمكن أن يؤديها كل من القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والقطاع المشترك في اطار جدلية العلاقة بين تلك القطاعات.

- ضرورة توفير إجماع مجتمعي حول الإصلاح المطلوب، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال العلنية والشفافية والمشاركة الفاعلة من مختلف أوساط المجتمع ومفكريه وخبرائه عبر تدشين نقاش عام من اجل بلورة الموقف بشأن القضايا الكبرى أو المفاصل الأساسية للإصلاح المطلوب. هذا اضافة الى توفر إرادة سياسية حازمة وقوى اجتماعية قادرة على وضع مشروع الإصلاح موضع التطبيق وتحويل مفرداته الى واقع ملموس.

- أن يحظى الإصلاح بالمصداقية المطلوبة من مختلف قطاعات المجتمع، وهذا يتطلب أن يرافق الإصلاح الاقتصادي جهودٌ مركزة وحثيثة وصادقة للقضاء على الفساد واليات إنتاجه وثقافته التي ساهم النظام المقبور بزراعتها وتنميتها، وانتشرت كالنار في الهشيم بعد 2003 وتتحمل ذلك كله الحكومات المتعاقبة ونظام المحاصصات الطائفية الاثنية. كما ينبغي أن يترافق هذا الإصلاح أيضا بتحقيق إصلاح النظام الإداري والمالي والنقدي بما ذلك النظام الضريبي، بهدف تحقيق العدالة الضريبة المطلوبة.

إن الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتدشين حوار وطني شامل يساعد على تحديد الإطار المطلوب للاقتصاد الذي تريده بلادنا، وبما يمكن من بناء اقتصاد ذي بنية ديناميكية قادرة على التكييف مع المتغيرات الناشئة على ارض الواقع العراقي، وكذلك مع متطلبات التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية وما تطرحه من استحقاقات.

 

*******************