install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

نقد الشعر والقص

ياسين النصيِّر

ولد في القرنة بالبصرة انتقل الى بغداد عام 1970، حل في هولندا لاجئا 1995، مؤلفاته النقدية: له اكثر من 22 كتابا، فضلا عن ثمانية كتب تنتظر الطبع كتب قصة اوبريت (بيادر خير) أول اوبريت عراقي في البصرة 1969، له اوبريتات ونصوص مسرحية اخرى.

عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباء العراق 1973 1978، عمل سكرتيرا لرابطة نقاد العراق وعضوا لهيئة تحكيم المسرح في العراق وعضوا لتحرير مجلات، الاديب المعاصر، الثقافة الجديدة، التراث الشعبي، والسينما المسرح، اعتمد الانسكلوبيديا البريطانية في كتاباته في المسرح العراقي، يرأس مؤسسة اكد للثقافة والفنون بهولندا منذ تأسيسها عام 2000 وللان، عضو قيادة اتحاد ادباء العراق.

نقد الشعر

قصائد

ياسين طه حافظ

 

الأنوثة أرض تعيد إعمار نفسها بالكلام، لأنها لا تعرف طريقا للموت، بينما الذكورة واحدة من المراحل القلقة في حياة الكائن، والشاعر ياسين طه حافظ، في هذه القصائد المقتصدة، يحكي عن أناه التي تعيش وهم الذكورة بجوار تألق الإنوثة، فيجد أن كل شيء في هذه الثنائية؛ ينسحب، يآفل، هكذا تبتدئ القصيدة كثيرونَ. لستَ الوحيدَ نبا سيفهُ، متمدا الشعلة الجذوى التي تستعّر في وهج الذكريات، وكأنها كائن حلمي تعيد ترتيب بيتها بالمقارنات، وحيث أنا الشاعر تبحر في حرارة الوهج الكوني، تبقى القصيدة دوران لحكاية الفصول، وفق فهم نورثروب فر?ي لدوران الحضارة والابداع والحياة، إن ثيمة الدوران هي الأخرى حكاية شعبية ومسارها دائما يبتدئ بـ: نصف حياة نصف موت، وينتهي بـ نصف حياة نصف موت ثم مواصلا المسيرة نحو حياة كاملة، النص الجدلي لايبدأ إلا بعد هيمنة البنى الصيانية عليه، فتغلق مسارته وتحجمّه ضمن منطقها، بينما الحياة المستمرة دائما تعتمد بنية التدمير، كي تجدد الحلقات التي لا تستجيب للتطور، الشعرية التي تبني بيتها على ثنائية الوجود والأفول، لابد وأن تعتمد مسار الحكاية الشعبية، كي تكون الأنا فيها صاحبة مواقفها. والثيمة التي يبدأ منها أي نص حديث? هي ثيمة القلق الوجودي، لتصبح لغة القصيدة الضمنية لغاتنا جميعًا، وأي أمل إذا تحقق انقطع، في حين يكون بقاؤه لغة في المحتملات، لغة تبقي من الحكاية وجهها والكلام.

البؤرة الفضائية للقصيدة هيالباب بابُكَ مفتوحة،تعبث الريح فيكَ واوراقُكَ طارتْ الى الزاويةوفي البؤرة/ الباب تستقر ثلاثة فضاءات: الريح، الأوراق، والزاوية. وعندما تحيل القصيدة إلى مفرداتها البؤرية، تجد: العمر، الريح، البروق، الكلام، الغصن، الملامح، الصوت، السلم، الزجاجة، اليدين، اللهو، المغامرة، وكلها عبارات تدل على خفقات قلب تجمعت فيه المبعثرات لتستقرفي زاوية قصية من زوايا العمر. ولن تجد الأفعال المتولدة من بؤرة الباب إلاّ الأفعال المواربة، وهي الأخرى تستمد حضورها من ثنائية الحياة /الموت الكبيرة، الثنائية?التي تجعل الأمل قائمًا بالرغم من أن عمرا وتجربة كهذه، تخدعه لعبةً في الملامحِ فأفعال مثل: يتهاوى، يظن، مضى، اشتعل، اختفى، ترى، تخدع، ظن، يغيّر، رأيت،ترضى، أكمل، اوقدت، تعبث، وطارت. ليس فيها اي فعل للحسم، كلها أفعال تشتعل وتنطفين ثم تنطفئ لتشتعل لتجسد موضعة نصف موت- نصف حياة.

يا ايها الشيخُ بابُكَ مفتوحةٌ

تعبث الريح فيكَ واوراقُكَ طارتْ الى الزاوية.

مرة ثانية تعيد القصيدة الثانية، ثيمة الحكاية الشعبية، للشيح الذي اشتعل وجدا بالمغامرات ولم تبق منها إلا الكلمات،وثمة تساؤل وجودي عن دور العقل الذي شذ عن مساره،فالحب يطير العقل ولذا ليس من عامل يعيد السفية إلى مرفأها قبل الوصول إلى اين. فالحياة تدور، بينما التجربة تتراكم، ولكن لايبدو أن القصيدة تشير إلى جدلية التراكم المغير، بقدر ما يبقي السكون بعد اليأس مخيما ومخيبا،فالحفل انتهى:

مكانكَ، ايها الرجلُ استقرَّ هنا

كراديسٌ من الظلمات نائمةٌ وراء البيتْ

وما لك نزهةٌ أخرى..

الكلمة البؤرة التي تبني فضاء القصيدة هي ثنائية الـ هنا/ هناك ونجد القصيدة تتأرجح بين فضاءين جدليين،واتجاهيين، احدهما ابتداء في -هنا هناءةَ روحي الأولى وآخرخها انتهاء في هناك- ويبقى آخرَ الغرفةِ مصباحٌ ومنضدةٌ الشعرية تنتصر دائما للهزيمة، كي تبقى مقروءة، فتنهض الـهنا ثانية كما لو كانت الجسد القصيدة معا. مكانكَ، ايها الرجلُ استقرَّ هنا.

في قصيدة صمت الفصول، وهي واحدة من أكثر القصائد جدلية، حيث يتوازن فيها دوران الفصول بتراكم التجارب والتغيير، هذه البنية الانثروبولوجية هي من تركب الصيغة الشعرية الحديثة، فتعيد تركيب مشاعرنا مع تغييرات الطبيعة ومع تجديد التجارب الحياتية، ولم يبق غير الصمت، صمت العقل، وهدأة النار البروموثيوسية التي قمعت بالحب، ومن يتصور الحب انتصارا، هو واحد من الذين يفقدون بوصلة الشعر، الحب صمت دائم، وإلا لما خلق الوضوح

عفوك يا سيدي الصمتُ،

أريد أن أظلّ طافياً ولا وصولْ ،

سيئةٌ جميعُها الفصولْ...

من يقرأ هذه القصيدة يعيد ثانية هيمنة الشعيرة الحكائية الشعبية، ولكن هذه المرة أكثر من القصيدتين غائرة في بنية الذات العميقة وليست مكونة من مفردات الحياة اليومية، فالبعد المثيولوجي يعيد تكوين الصور الشعرية عندما تصل الحال إلى منطقة المحارم، القصيدة تقف عند هذه الثيمة لأن الفصول التي تكرر حياتها تعيد دوران الاشياء كما هي مع تغيير في حدار الحكاية، الشاعر يعي تماما أنه لم يبق هكذا فالفصول مهيمنة والحكاية الدائرة مهيمنة ولا ملجأ غير الصمت.

لا تختلف قصيدة  خسر العمر وردتَه عن سابقاتها، فدروان الإحباط والأفول قائم ليس في التجربة إنما في مساراتها الحكائية الشعبية التي تعيد نفسها منذ تاريخ الشفويات الكبرى الف ليلة وليلة، وحتى آخر نغمة حزن كارتوني ساخرفي افلام الحياة اليومية، الحب هذا الدوران اليائس لزراعة بذوره، لكن التربة لن تفلح دائما بانباته، لكثرة عوامل التعرية والموت، القصيدة أيضا دوران في فلك ثيمة الأفول التي بنت بيت القصائد، وما يقال عنها قيل في غيرها، غير أن ثيمة صغيرة أججت كل هذه النار الشعرية، وهي ثيمة تبريرية لا تقال شعرا، بقدر ما ترو? نكتة وسخرية:

حلَّ مَنْ كان أولى

وسامةَ وجهٍ،

لساناً،

شبابْ.

هكذا يفسر الشاعر الخيبة، ويلقي اللوم بها على ذاته، هل ثمة نرسيسية مفقودة، الحب لا ينمو دون مرآة ترى العالم بها ويراك العالم من خلالها، والشباب الذي غنم بالفريسة، ما كان أن يكون كذلك لولا أن الشيخ جعل الحبيبة من جنس الفرائس. عندئذ:

أنتِ، أيتها الروحْ، أدركتِ

أن الزمان

أحدث في عالمي كلَّ هذا الخرابْ

عندئذ

خسر العمر وردتَه

في مرثية الحب القصيدة الأخيرة، وصلت الرحلة إلى نهايتها،ها هو يكتب مرثية الحب،

كلُّ شيءٍ يهونْ

وجَعاً أو ظنونْ

وانتهت القصيدة قبل نهايتها:

يا شاعراً مُثْخنا

فاقعد الآن مكانكَ ، زُمَّ شفاهاً على هُزُءٍ

وكان بامكان هذه القصيدة أن تتحدث كثيرا باعتبارها نهاية الرحلة عن الأشياء التي ذبلت والفصول التي امحلت والمؤثثات التي اقتصرت على حاجات الأفول فقطن إلا ان الشعرية العربية ما تزال مقيدة إلى الشخصانية، إلى الآنا والآخر، إلى الثنائية التي تقيد وقيدت اية تمردات فيها. لأن الشاعر العبي ما يزال محوما بسياق القصيدة القديمة تلك التي هيمن الزمنية عليها،لغة وصورة ومجال، في حين أن القصيدة الحديثة وهي واحدة من نقلاتها المهمة أنها فضائية حيث ان اشياء المكان تصبح عناصر شعرية ايضا، خاصة وانها تحس بما يحدث.من هنا يمكننا القو? وبوضوح أن القصيدة الحديثة قصيدة فضائية، وإن كان بناؤها زمنيا، فتجربة مثل الحب وخيباته لا تبقى مدارمسارها بين شخصين فقط، هذا يحدث في طغيان الرومانسية الجسدية على افكار الحداثة، في حين أن الفضائية التي تخلقها حياة العاشقين وحدها من تتأثر وتكمل وتعيش وتنمو وتحبط وتستطيل وتموت في فضائيتها، وإلا لما كان هناك ثمة قصيدة، فالقصيدة بمعناها الفضائي نهوض وافول الاشياء وما الإنسان إلا مركزية جزئية ضمن مركزيات الفضاء، فذا كان ثمة حب سنجده فضائيا يشمل كل ما يؤلف حياة العاشقين وإذا ثمة افول سنجده في الأشياء أيضا وهي تأف? او تنحسر أو تموت، شعرية هذه القصائد مرثاة مختصرة على الشاعر ومن أحب، في حين نجت الحياة والاشياء والفضاءات التي رافقت التجربة منذ سبعين سنة من اي تاثير لا بالحب الذي أعاد بناء كل شيء ولا الأفول الذي يعيد كل شيء إلى الزوال، هذا ما لمحت إليه القصائد بالقليل من الصور لأن سياقها كان ضمن بنية الحكاية الأحادية التصور، وليس ضمن جدلية الحياة المتراكمة التجربة بفضاءاتها واشيائها وتقلباتها وخسائرها.

 

الملاذ الأخير

لشهاب حمد الأنباري

 

هذه قصيدة مركبة بالرغم من قصرها، قصيدة تبني علاقتها على تكوين فضائي اشمل من تكوين الفرد الشاعر أو الإنسان الممتلئ إحساسا بما يحيط بالعراق، والعراق هنا ثيمة كبرى طاغية على مفردات القصيدة بحيث تحكمت في سياقها وفرضت نوعا من اللغة التي تنبئ عن رغبة حقيقية أن الاجزاء من هذا التكوين الفضائي الكبير- العراق- تكون كافية للسعادة.

أكتفي بالقليلْ...

بأقلّ القليلِ ـ

وببساطة رومانسية نجد الشاعر يشرك الطبيعة والأشياء معه بهذا الموقفن فكل ما يراه ممتلئا بالغناء لكنه وهو يعيد تركيب الصور المبعثرة عن الوضع الماساوي لا نجده يوغل بالتفاؤل، ولا بالهزيمة، إنما يعادل بين الأاثنين، فالتركيب لايتم مع طرف واحد، هذا الذي يحث سيكون معادلا ثنائيا للصور التي تعاشن ولذلك ليس من امل ولا من أفولن ستبقى الصورة هكذا ثمة عراق يمر ويحتضر ويتناهبه المعنيون بحكمه بينما يفقد في كل لحظة الكثير مة أجزائه، وفي الوقت نفسه لايكتفي النهابون والتكفيريون بذلك، بل ياتون سوية على الإنسان الذي بنى كل علاق?ه على اللغة التي تشد أواصر العلاقة بين فضاء العراق وروح الشاعر.

وأتركُ للناس أهواءهم...

كلّ ما يتمنون... وما دارَ في خُلدهم..

والذي ابتغيه بأنْ تشرقَ الشمسُ..

تنحو القصيدة الغنائية الحديث إلى تاكيد مركزية الأشياء، ولكن القصيدة الغنائية المركبة وهي تستحث الاشياء معها لتأكيد او نفي الصورة المركزية لها، تساهم في بنية كونية للقصيدة،ولا تجعلها مختصرة على رغبات أنية او لحظات عابرة، في هذه القصيدة نجد الشاعر يستحث: الضوء، البلابل، الغصون، الربا، الروح، الهواء،السماء، الغيوم، النجوم، الصبح، الحلم، النخل، الدراويش...الخ، الأشياء التي تشكل فضاء مكانيا تتحول إلى مواقف تؤكد ما ذهب إليه الشاعر من أنه يكتفي - إذا ما رقصت كل هذا الاشياء بالفرح العراقي - بالقيل.

أكتفي إذ أرى وطني باسما

وعليه شآبيبُ من فرحٍ غامرٍ.

بقي شيء يقال في شعرية الشاعر شهاب حمد الأنباري، المنزوي بعيدا عن النشر، أنه واحد من جيل اختبر اللغة في مكامن الحياة اليومية، ولا يستهلها من القواميس ولا يتعامل معها كما لو كانت اشياء تحكمها قواعد بلاعية معينة، يتعامل معها كاشياء، شأنها شأن اية مفردة فضائية أو مكانية قادرة أن تصبح شيئا تستقبل الرؤية كما تصدر عنها رؤية، فاللغة تكوين فضائي إذا ما نظرنا إليها كجزء من فضاء الممارسة الإنسانية والاجتماعية، تتغير بتغير حياة الكائنات، وتنمو وتندثر كلما كان هناك من يغير سياقاتها القديمة، هذه النخبة من الشعراء، تركت ?لميدان لأخرين مع الأسف لم يحسنوا بنية الحزن العراقي إلا عبر صور مأتيمية، في حين أن للحزن العراقي ثيمة مركبة من تواريخ الاشياء التي مرت عليها مشكلات العراق.

 

نقد القصص

قصة الأصابع

لحسب الله يحيى

 

شيء ما يغمرني شخصيًا عندما أرى أصدقائي القصاصين والشعراء ما زالوا ينتجون أعمالًا متميزة، هذا الشيء خارج سياق المعالجة النقدية التي أنوي طرحها هنا عن أربعة مؤلفين : شاعران وقاصان، وكلهم ممن اختبروا الحياة وجربوا أن يختفوا وراء شخوص القصة والقصيدة، وكأنهم يحتمون ببيت النص بعد أنأصبح الواقع مهددا باقتلاع سقوفه وأنهاره ومدنه.

النقطة الأساسية التي أركز عليها هي أن هذه القصص والقصائد هي بحث في فضاءين: فضاء النص وفضاء الواقع، مما يعني ثمة من يلتمس البحث طريقة فنية عن موضوع ما، وقضية البحث تتجاوز أن تكون خاصة أو عامة، إنما هي طريقة ان نجد التوازن المفقدة في معنى العيش، فالحاجة إلى البحث حاجة إلى الكينونة، التي وحدها توصلنا لمباحث أعمق، ونترك تلك الضمائر الأنوية المشحونة بعذاباتها ومواقفها وهي تتسيد القصيدة أو القصة تجوس في فضاءات الموضوع خالطة بين مشكلات يومية ومصائر كونية. البحث هذا الميدان المعرفي الذي يمكّننا من أن نرى قضايانا ب?ا فيها الشخصية تتحول إلى قضايا اجتماعية أعم ، وعلينا جميعًا أن نضع قضيّة البحث في فضاء اية فكرة عندما نفكر بكتابة اي موضوع، وحدها هذه المفردة تضعنا في الإلتباسات الكبيرة التي تمر بنا و بمجمعنا، تمر وهي تخلق أدوات بحث جديدة ، البحث مفردة الأسئلة، وميدان الصراعات الكبيرة والصغيرة، والرؤية التي تقلب بها الأزمنة والحالاتوالمواضيع والأمكنة، وليس غيرها من يغلي صرامة الشخصيات التي لم يعدّ لها قيمة في تأليفنا المعاصر، ولا ان تكون الوحيدة التي تدلنّا على الموضوع والكيفية التي نفكر بها. لقد ألغيت الشخصيات خاصة الأنو?ة واستبدلت بالشخصيات التي تكون هي الموضوع، هي الفكرة، هي الرؤية، هي الصوت الذي يزداد قوة كلما وضعته بين منعرجات الحدث وتضاعيف المسافة، ورؤية الليل في النهار، والنهار في الليل. البحث ليست مفردة نتداولها نقديّا، إنما هي منهج قصصي وشعري، تكون القصة والقصيدة فيها أسئلة باحث لا يذكر اسمه ولا لون عينيه ولا عشيرته، باحث كوني يستمد حضوره الدائم من تحويلة للقضايا المعاشة إلى أفكار كونية، مبدؤها ان تكون مجسّات لرؤية اشمل من عيني الشخصية ولغتها وميدان تحقق أفعالها.

لا تتضح ماهية الشخصية دون أن تكون ثمة قرينة مختفية فيها، تمارس فعلها من خارج فضاء نصها المعلن، وما يشير إليها في النص هو الإنعكاسات التي تفرزها ممارستها في الظل، وفي قصة حسب الله يحيى نجد ثمة شخصيتين أساسيتين: الاولى شخصية الراوي، والثانية شخصية مبهمة وغائبة ولكنها حاضرة من خلال أفعالها التدميرية وهي القتل، وتشير إليه مفردات: الجثث، والاصابع، والدماء، والزمان، المقبرة، مشرحة العدل، وغيرها، الفعل هنا في مثل هذا الوضوح الغامض لمرتكبي الجرائم أسئلة، أما السارد الراوي فيختصر معاناته في الاصابع المجسات التي تتص? شرايينها بالجسد، بينما أفعالها في عالم الجريمة المطبق، وكأنها مصابيح تكشف عن عمق المأساة التي يعيشها الأب والأم. شخصيتان أساسيتان يمكنهما ان تتفرعا إلى عدد لا متناه من الشخوص الثانوية، فالبحث يتطلب فريقًا من العاملين يقودهم الراوي باتجاه الكشف عن الجرائم، وتقودهم الشخصيات المبهمة المختفية التي هي النظام باتجاه تغييب الجرائم واختلاطها بحالات مبهمة، ثمة صراع بين التيارني من يريد أن تعلن الجرائم ومن يريد بالقوة نفسها أن يخفيها، الأمر الذي يؤدي بالأصابع أن تجوس في كل الميادين باحثة، قلقة مجسات للعلم الخارجي و?جسات لعولم الشخصيات الداخلية، ثم ترجع متخشبة إلى موضعها وكأن الشخصيات والأحداث لا تحدث في عالمنا الذي صنعنا الكثير منمفرداته باردتنا دون وعي منا.

السرد هذا العالم الغاض المبهم قيل فيه الكثير خاصة السارد،الراوي، المؤلف، ولكن قيل القليل بشأن الرسالة والأقل بشأن القارئ أو المستقبل، نحن القراء نعيد مأساة الفقدان لحسب الله يحى بابنه أو ابناء العراقيين الذين فقدوا، ونعيد كقراء أعادة بناء الحكاية من جديد ومن زوايا مختلفة، هنا تكمن أهمية القصة،فيما إذا جعلتنا نبدع كقراء في رؤية الحكاية التي تنطلق من الخاص إلى العام، مهمة القصة ليست تسجيل الأحداث، إنما من خلال الأحداث إعادة بناء العالم، والقاص لايستطيع ان يخبرنا برسالته وفي الوقت نفسه يبنى العالم، نحن القراء?الزمنيين لدينا معارف ربما أكثر من الفترة وهو يروي مأساة ابنه غنها، و كقراء موضوعون نكون دائما في توجهات الرسالة المستقبلية وفي كيفية استقبالها وهضمها وإعادة إنتاجها. إن أنا المؤلف تكتفي بحفر المجرى العام، الذي سيوطنه الحدث والشخصية، ولكن من يبقي المجرى قائما هو القارئ، هذا إذا كان المؤلف معنيا برواية خاصة، أما إذا كان المؤلف شخصًاكونيًا، والحدث الذي يسرده كونيا، يتخلص منخصوصية الحدث، ليصبح الحدث حدثَ القارئ الضمني، عندئذ يؤكد المؤلف ما يسميه  رولان بارت ضروب الوعي الكليلأن السارد /المؤلف يعلم كل ما يجري?داخل أعماق الشخصية كما يعلم ما هو خارجها أيضا، لأنه يتماهى مع الشخصية، فكيف إذا كانت لغة القاص ممتلئة بالإحساس الذاتي للشخصية وهي التي حولت أصابع البحث عنه إلى مجرات من التأمل في الجثث والدم والغياب والحضور وتبادل الأمكنة والشعور الدفين بأنه سيبحث ويبحث فقط.

ومع اشباعنا بمعرفة السارد انه سيعرف من خلال البحث كل شيء، نجد الخبرة الفنية واضحة في تجربة القاص حسب الله يحيى وهي تبعدنا عن المباشرة، وتبدل زوايا الرؤية، وتترك فرصة للشخصية القارئة أن تتكلم وهي غائبة، إما عبر أصابعه الكونية، أو عبر الفضاءات التي تشكف مجاهل الجريمة، هذا النوع من السرد هو الأكثر حضورا في القص الحديث، ليس هو الطريقة الأفضلإنما الطريقة الأكثر استيعابا للقضايا التي يمارس عليها فعل المحو القصدي. فالقاص ما يزال يفكر أنه يكتب عن حقائق واقعية، عندما جعل أشياءه وشخصياته تتكلم وتحس وتتفاعل وتشترك، ك?ي أداة اجتماعية ترسم كيانا فنيا، هذه الطريقة السردية هي الأكثر استيعابا لأسئلتنا، وعبرها يبعدنا عن الواقع بخطوات، ويدخلنا إلى الإيهام الثانوي للواقع، إلى الصورة التي لا يمكن وصفها بمفردات واقعية، ولوتمكن حسب من أن يكتب عن أخيه او ابنة الشهيدين، ويكتفي بما كتب، سيكون ما كتبه قصة جميلة بحق، ولكن نخشى أن يقرأ القاص نصّه يوميّا كفاتحة، ويكتفي به، عندئذ لن تكون قصة فنية حديثة، بل قصة واقعية يمكن أن تؤلف سياقًا اجتماعيًا وخبريًا عامًا، السرد الحديث يجعل من الأحداث والشخصيات والتجارب الواقعية مدونّة فضائية، قابلة?للحياة من خلال القراءة المستمرة،ومشخصة من خلال فضائها الفني الخاص بها، هذا ما عمله حسب الله بهذه القصة المتميزة، المشحونة اللغة، والذي لا يشبه فضاؤها إلاّ الفضاء المعني بالغياب، ثم يقيم لنا كيانًا معرفيًا يتجاوز زمنية وفضائية الواقع والوقائع والحدث، وينقل الشهيد منكونه مفقودا تبحث عنه الاصابع، إلى فكرة لا تستقر إلاً كمدونة على تاريخ ما، ومتى ما أضاف القارئ وقائع جديدة إليها، نهضت القصة من مدونتها الورقية لتنزل إلى الواقع والحياة اليومية، وتشمل حالات كونية أخرى. فالشخصية لا تؤلف نفسها بكلمات القاص وحدها، بل?تؤلّف سياقًا اجتماعيًا للقراءة كي يضيف القارئ إليها باستمرار، والسرد لا يكتفي بكلماته وصوره وإحالاته فقط، إنما يستدعي ثقافة القارئ لأنه يحدث أن القراء يطعمون ويغذون السرد بالتكرار والنموذج الذي يخلقونه يكون قابلا لصيرورة كونية اشمل. لهذا السبب دون غيره يبقى الشهداء أحياء.

وكانت رائحتي تنازعني وجودي، وكان وجودي يخذلني ويكرهني ويعاندني ويصارعني .. كنت كائناً لا يحتمل كينونته.. فيما هو يبحث عن سبل لاحتمال ما هو فيه، حتى لا ينقل هذا الاحساس بالرهبة والحذر واليأس القاتل الى امه وابيه واخوته.

هذه هي الكونية التي سعى القاص لتجسيدها عبر الإيهام الفضائي بان الشهداء ليسو إلا كينونات مستمرة الحضور. إن ميزة سردية حسب الله يحيى، أنه ينشر طريقته الفنية شحنة الغياب- على مدار القصة كلها، بمعنى أنه يدرك أن خبرته توظف شحنات حدث الغياب لغة تعمم على كل مفردة في القصة، حتى لو لم تكن مباشرة، وهذه ميزة مهمه لتعميم شحنات السرد  على كل مفردة في النص. .إن ميزة قصة حسب الله يحيى أنها لا تتحدث كثيرًا عن المأساة إلاّ عبّر بنيّة الإدماج، بين المأساة وبين السارد، ادماج يضيّع السارد في الشخصيّة ويضيّع الشخصيّة في السا?د، وتصبح اللغّة لغة الأثنين دون أن تكون واقعية اوشخصية، هذا هو جوهر السرد المحمّل بطاقة الامتداد والتتابع خارج الورق، ليشكل كيانات وأشكالا فنيّة وقوليّة يمكنها أن تمتد وتخلق سرودا أخرى، لأن اي سرد نقرأه ليس واقعيًا، إن ما هو واقعي هو قدرة التخيل على جعل حادثة الغياب أو الشهادة متخيلة، السرد وسيلة تتوسط الواقعة والخيال، تنهض الواقعة إلى مستوى الخيال ثم يدفعها السرد في مكونات التأمل والتأويل. فوظيفة السرد ليست هي التشخيص كما يقول رولان بارت، بل هي بناء مشهد يظل دائمًا ملغزًا بالنسبّة إلينا لأن ما يحكم الل?ّز هو المنطق الذي يتحكم بمصدر المخاطرة السردية.

 

فضاء البئر

لحامد فاضل

 

كثيرة هي النصوص الحكائية التي تسيدت المرأة فيها ناصية الكلام، أنت يا امرأة تَسَيّدْتِ منبر الليالي تحيكه لعشاقها كي ينغمروا بفيضنورها، وفي معظم الشفويات الحكائية كانت المرأة الراوية قارئة ضمنية، وحدها من جعلت الماء يجري لألف ليلة وليلة، بينما انصرف الرجال لثقافة الهيمنة: الفروسية، الغزو، والشعر، مستثمرين ما يحكى لحراثة النساء، وحين ارتبطت روايتها بمثيولوجيا الأديان والسحر، تعمق حضورها في أدبيات العرب. هذه المرة يطلب السارد منها أن تتخلى من حياكة الكلام له، وبقدر معرفته هضبات الجسد وري الشفاه واللغة المهم?ة يعرف أيضا معاناتها، فتمثل بالذئب، والذئب فارس البادية، ورمزيتها، المرأة وحدها تجمع بين لغتي الجسد الحقل، واللسان الحكاية، ومن هنا كان المستمع لايعيش الحكاية مع الإنثى إلا تمثيلا، فأنثى البادية؛ دائمة الخلق، مجددة السدى، صانعة المعاني، إما بإعادة حكاية الجدات، أو تكرار حكايتها، أملا بأن تمحو بها حكاية الليلة الماضية، فالبادية نفسها، معاستبدال عيني رجل بعيني ذئب، تتجدد عبر الحكايةليكافئ وجودها وجوده.

نعم أنت، أعنيك أنت، ألست التي اتقيت بدرقة الحكي سيفاً تسلط فوق رقاب العذارى، حيث لم تكن فيهن واحدة مثلك تجيد نسج الحكاية بنول الكلام*.

هذا ما يستهل القاص حامد فاضل به قصته، استهلال المرواة الغني ليس بمادته فقط، إنما بما يشحّ عمّا في مرآة الأنوثة من خزين اللسان والجسد. والقاص حين يستبطن فضاء البادية، يستبطن أنثوية الأشياء فيها، كل شيء في البادية أنثى، فهي قارة سابعة، وأرض خصيبة، وماء ولود، ومفاوز غامضة، ولغة تجمع بين ماء السماء ونبع الأرض، فأية ذكورية تبقى والماء وحدة من يعيد الحياة إلى أشيائها وناسها وأحيائها؟. وهو حامد فاضل يوطنّ كلَّ فضاءات البادية فضاءات البئر، ويتخذ منه بؤرة للعواطف المكبوتة في جوف الإنثى كما لو كانت بئرا يختزن الماء/?لحب. وها هي تستنطقه كما يستنطقها، ومن حولها افلاك أناث: البادية، الجدة، الكلبة، الفلاة، الخضرة، والماء. وفي المثيولوجيا يمثل البئرالزمن، التاريخ، الخزان، النبع، فهي موطن التواريخ والحكايات البئر صرار الطبيعة، فيه تختبئ الحكاية القادمة، وما الدلو الذي ينزل فيها ويخرج إلا دليل قضيبي على دوران الحكاية، بمثل هذا المنح، تصبح الأنوثة صيرورة لكائنات الحكاية. فكل مياة البئر الدفينة هي أحشاء تحمل نوى الكلام، وسيكون ماء البئر حزانا للزمن او البئر الحرز، والبئر النرسيس، البئر الأرحام، البئر الخيمياء، من هنا تخفي البا?ية كنوزها؛ إما خوفا على أسرارها من الضمور، وإما أن اللغة تبدأ في كل حكاية عندما يقترب البئر من الجفاف. وفي المثيولوجيا يكون ماء البئر ماء الأمزوجة الرطبة، تلك التي تحيك الشعر، هكذا يمنح البئر فتاته الجميلة حرية الكلام، فيدعها تستحضر أحلامها، جسدها، جدتها، حبيبها الذي اختبأ بين ثيابها، صورتها في مرآة الطبيعة المنثالة كمطر،العذبة كشهد، والريانة شفتاها بماء الكرز.

ليس القاص هنا قاصًا واقعيًا، بمعنى أنه يؤلف حكاية عن إمراة شابّة خرجت لتملأ جرارها بالماء، وهناك، وبالقرب من خيمة أهلها، رأت ذئبًا، هو في مخيلتها مجرد ذئب، لكنه في الواقع الافتراضي هو الرجل الذي يسكن أعماقها، هو سداها الذي تحوك حوله الكلام، وها هي عيناه وقامته وحواف مساره، ووقع قدميه تُعلّم باللغة الحلم، فتؤلف لحظات شعرية منضبطة الإيقاع، ويسرد المؤلف الضمني حكايته أيضا، عبر الكيفية التي تمثل بها عشيقا ذئباً، لتصبح صورته متماهية مع صورتها وكلتاهما مختزنة في بئر الحكاية، وتعود المثيولوجيا لتعدل سير الحكاية ب?د أن أُغرقت في الذاتية، وعلى لسان الجدة المختبرة البئر والبادية والنساء، يصبح الذئب عفيفا إذا ما تعرّت المرأة أمامه، وها هي تستجيب لمسار الحكاية المثيولوجية، فتتعرى أمام عينية الآكلتين، ليتعمق احساس القارئ بالبحث، والقصة بحث، خيث يجد القارئ نفسه ضمن مثلت الحكي: الذئب/الرجل- البئر/الإنثى، الحكاية/ النص الجديد. وكأي رجل / ذئبا لا يقترب منها، بل يتماهى مع كنوز بئرها ، كما تتماهي هي مع عيني- بئره- العميقتين، ليكتمل سدى الحكاية في بؤرتي: الجسد /البئر، ولأن المؤلف ليس مؤلفًا واقعيًا، بل هومؤلف مجرد، مؤلف ضمني، س?كون القارئ قارئًا مجردًا وضمنيًا أيضًا، أما الحكاية فسوف تستطيل، وتتفرع لتولد حكايات كثيرة، وينمو بجوار البئر ابار وبجوار الإنثى أناث، وبجوار الجدّة جدّات وبجوارالرجل/ الذئب رجال /ذئاب، هكذا تولد حبة الرمل باديةً، وقطرة الغيمة مطرًا ثم بئرًا، ورمشة عين رسالةً، وحكاية ما حكايات، وستتفرع ثيمة أنثى البادية، لتخلق شعبا من الحكايات. فالمؤلف ضمني وليس مؤلفًا واقعيًا، لأنه لا يؤلف حكاية عن البادية والبئر والأنثى والرجل، دون أن يضمنها حكاية عن سيرته، فـ المؤلف الضمني يمثل الانا العميقة والواقع الوحيد، في حين لا ?مثل المؤلف الواقعي سوى ذات أكثر بروزا وبرانية كما يقول مارسيل بروست. وحامد فاضل مؤلف ضمني لأنه هو من يلقي في البئر أو الرمل، قصصا يومية عن حيوات ناقصة، تتزاوج فيما بينها لتنتج مثيولوجيا البادية، ولن يقف المؤلف الضمني،عن تأليف الحكايات، مادام ثمة حكاية ناقصة، حكاية غائر في أعماق المؤلف الكوني. ومن هناك، ومن هناك فقط، وحين تكتمل اللحظة القصصية، وحين يصيح الديك، تستيقظ شهرزاد لتجد ثمة حكاية نبتت على أطراف وسادتها، ومن هناك، من هذا الغبش الفضائي يلتقط المؤلف إحدى الحصى فينبتها الأرض، ثم يكسو جسدها بندى الكلام? لتُلحس في الصباح.

يمثل البئر فضاء اللاشعور للبادية، شيء من مملكة علم نفس المكان، الذي يستبطن الحياة الظاهرة، ويختزنها في ينبوع الذاكرة والجسد، كل الينابيع الواقعية والمثيولوجية مؤنثة، كما يقول باشلار، والأنوثةواحدة من مكونات اللاشعور، ومن داخل بئر حامد فاضل ثمة مرآة مثيولوجية تجوس أعماقنا، فالأشياء التي نحلم بها دائمًا تكون ماء، ليونتها، شفافيتها، لغتها، تشكيلاتها، طلباتها خفتها، طيرانها، حضورها دون استئذان، كلامها، وإلا كيف يصير القاص مؤلفلولا الأحلام الأنثوية؟ فماء البادية والصحراء عذب، ماء اسطوري، ما ء وجد من أجل خلق حكا?ة، ماء يعتمد الكذب، وبقدر اتساع البادية في الثقافة العربية أتسع الكذب، فمستقر المثيولوجيا ليس المدينة، بل الباديةوالصحراء وأبارها وتلالها وقصباؤها ورملها ومجاهلها، هذه الأرضية الخصبّة مولدة للأكاذيب،

الكامن الوحش الذكي تَلَمّظَ، وراح يحصي ما تناثر من أثاث حول منطقة الكمين.. مسفوحة قدامه الصحراء، وعلى الرمال آثار أقدام، ووشم زواحف، وقوافل من النمل تسعى، وهناك أخدود صغير، أشجار سدر، سيقان حلفاء، عاقول، وعرد، وشيء جاثم لم يستطع تعريفه، وزنار أعشاب يطوق خصر البئر، وأساور أحجار مدورة، وحصى عبثت به كف الطبيعة

ولن تغني قراءة قصص حامد فاضل، التي تكشف عن مدن لامرئية وتبنى على تلال وافواه الآبار عن خرائط وهمية واسعة للحكايات، هذه اللغة التي تدفع الناقد لأن يذهب بعيدا حتى عن مدارالقصةومادتها ليكشف عن الشيء المضمر والغامر في فضاء البادية/المكان. وإذا بنا في حضرة الاشياء، وهي تصطخب لغة مرآوية، ليست عينا الحبيب فقط هما عينّا الذئب، بل هما عينّا البادية، عينّا الأشياء، عينّا الحكاية الناقصة، ولا عصا الجدة سلاحا يطرد اللصوص، بل هي عصا الأعمى التي تجوس الطرقات، ولا الكلبة اللاهية بصغارها كلبة تنجد صاحبتها، بل هي كل الإناث?المشغولات بمنح الاجساد. كل هذه المفردات المثيولوجية لا تؤخذ لذاتها،إنما لبنيتها التكوينية  التي تحيل صورة الحياة اليومية العادية إلى حكاية غائرة في مثيولوجيا الفضاء.

ومن هنا نجد لغة الحكاية هي لغة الكثبان، والذئاب، والبئر، والمطر، والخيمة، والعشب، والحصى، والفلاة، والمناح، والغيوم، والكلاب، وأصوات الليل، والجسد، أليست هذه المفردات الأنثوية تبقى غيرمكتملة ما لم تدخل في الحكاية؟ فجذر القصة الحديثة هو مكونات خيال الأمكنة وفضاءتها الشعرية، هذه الفضاءات الغائرة في المثيولوجيا، وهو ما يشير لدور الفضاء في تغيير مسار السردية العربية، فعندما كانت السردية بنت الريف والبادية، أبقت على وظائف الحكاية، وعندما تحولت السردية من الريف والبادية إلى المدينة، تحولت طرائق السردية من حكاية ?لمؤلف الواقعي إلى حكاية المؤلف الضمني، وأصبحت الضمائر مختلطة بعضها مع البعض الآخر فالمينة تذيب الشخصية في علاقاتها الفضائية.. المدينة وطوال تاريخها تستبطن لغة البادية، لأن المدينة كامنة في رحم البادية، ومن هنا كانت الحكاية تستحضرها عبر السحر والطيران لتحكي عن الفضاء الذي يغيب في الصحراء او البحار، ومن هنا طلب المؤلف الضمني من شهرزاد أن يتولى هو هذه المرة الحكاية، اي طلب من شهرزاد بأن يقوم شهريار برواية ما يجري،لأن المؤلف ابن المدينة بينما بقيت شهرزاد ابنة للبادية مشبعة بانوثتها وفاغرة فمها على من يغني حكاي?ها.وبذلك تنحى عمّا يسمى بالمؤلف الواقعي ليمزج الواقعبالخيال ،ويلغى الملامح الخارجية للشخصيات ويستبدلها بالملامح النفسية، ويجعل كل ما يدور في فضاء البادية أحياء منمذجة باشكال حلمية. هذا يتيح لنا القول أن القصة الفنية الحديثة والتي ابتدأها القاص محمد خضير، أزاحت مفهوم الواقع الخارجي،وتغلغلت في خيال فضائه الإيهامي وابعاده اللامرئية، ممهدة للقصة أن تنتقل من السردية الذاتية إلى السردية الضمنية، وان تنهض بثقافة القارئ بوصفه المؤلف الذي يجيد التعامل مع لغة الخيال المادي للفضاءات الواقعية. إن إلغاء سمة السارد والم?لف الواقعي واحدة من كشوفات القصة الحديثة، التي نرى تباشيرها المؤسساتية في القصص الحديثة لعبد الله طاهر،وحامد فاضل،وآخرين، حيث البنية الإيهامية للفضائية الثانوية- وهي البادية- تمنح القصة تشييدات لسانية ونفسية كونية. فجعلوا القصة تتغلغل في مسامات الفضاء المكاني كاشفة عن الاحتمالات والخيالات المجهولة، ومن داخل هذه الانزياحة الفضائية انبثقت الواقعية السحرية في القصة العراقية لتستوعب علاقات المدينة عبر رحمية البادية. هل تخلص شعرنا الحديث وهو يعايش المدينة وأحداثها وصخبها وتحولاتها وعلاقاتها، من إيقاعية المناخات? الاجتماعية القديمة للبادية؟، لا أعتقد أن الشعرية الحديثة قد تخلصت كليا بالرغم من الانزياحات الكبيرة التي احدثتها قصيدة اليومي والمألوف.، كل التحول الذي جرى في القصيدة الحديثة كان في الفضاءوليس في اللغة فقط، وكل فضاءات المدينة ما تزال مرتبطة رحميًا بفضاءات البادية.

ميزة حامد فاضل أنه يجوس ارض البادية البكر، بمجسات الغرابة الواقعية، متخيلا عن كونيتها بالمعايشة المحلية ومفرداتها البيئية، فهو من العارفين بدروبها وشعابها ولهجاتها، وبالرغم من أنه لا يمكلك غير عدة الصياد المقتصدة : الحكاية، السيف،الرمح، القوس، البئر، الأنثى، الدلاء، الذئب،الحب، الحرمان... جعل من مفرداتها مؤونة تكفي لحياكة نسيج الحكاية الحديثة. هكذا تختصرالأنثى بثرائها الجسدي والروحي، روح البادية وتخضعها لأنينها المادي.

وأزيح شك الخيمة السوداء عن بدوية هرعت الى الكانون. أذكت جذوة تحت الرماد، فانساب منها أفعوان من دخان، ولسان نار صار يلحس بالدلال. نهضت فبان قوامها كغصن الخيزران. صبية سمراء فارعة، وكأنها خلقت لتعشقها الفلاة. سبقتها رائحة الانوثة الى أجمة البئر القريب، وهي تسير كأنها (خشف) يروم الورد من ماء (القليب)..  قبضت بكفّ مثل قبرة على الحبل الطويل. أدلت بدلو أترعته بما تدر الأرض من أثدائها ماء قراحا.. ومثلما انكشفت لعين الشمس وافتتنت بها، انكشفت لعينين كامنتين في لحية العشب الكثيف، هي لم تكن تدري بأن هناك كائنا من كا?نات البَرِ يكمن قربها

فما بين رجولة مختبئة وحكاية الجدات المنفتحة، تكمن الأنوثة كأرضية مشتركة لكل الروايات عن الجسد. لقد فتتَّ حامد فاضل مركزية البادية الكونية،وحولًها إلى حكايات صغيرة بحجم حبات الرمل، ثم القى بها في بنية سرد يجمع بين الاثنين:البادية والمدينة، ليجعل منها علامات في متاهة النص يمحو جديدها القديم، متاهة حامد فاضل مدن أحلام يقظة الفضاءات اللامرئية، فضاءات كالفينو وبورخس، حيثيمتزج فيها المرئي باللامرئي، لتصبح مدنًا نعيش في أحلامها، أعني أحلامنا.

هذه القصة قصيدة شعر بامتياز، ليس لايقاعات جملها، والسجع الذي لازم النهايات، إنما هي ايقاعات رسمتها فضاءات البادية المحدود الأشياء، فالإيقاعية لن تكون في المدينة حيث التغيير المستمر في العلاقات بين الأشياء، إنما تكون الإيقاعية جزءا من بنية السكون، الرتابة، الثبات، والصيانية، وما لسان القاص/الشاعر، إلاّ المدونة المثيولوجية، الشعر- كما أرى - يضعف القصة، لإنه يقاوم امتلاء السردية بماء الحياة اليومية، وعندما يكون السرد متنغمًا يقترب منايقاع الثبات، فالسرد من أكثرالفنيات رسوا علىالأرض، هذه القصة حلم.

هكذا بدأت

أنت يا امرأة تَسَيّدْتِ منبر الليالي، وظللتِ عاكفة في حضرة التاج والصولجان. تحرقين البخور، تشعلين الشموع، تعرضين بضاعة الحكي، وتنثرين حلوى الكلام، تقصين الحكايات، وتطيلينها كي تطيلين عمرك 

وهكذا انتهت،

فتأكدت أن الجدات أصدقنها القول بشآن عفاف الذئاب، أعادت ثوبها لتستر محارمها فلم تر الذئب.. كان الذي يواجهها رجل يتأملها باشتهاء.

* حائك الكلام مفهوم أدرجه القاص محمد خضير في نص بصرياثا، وهو مستل من العقد الفريد كما أخبرني، ووظفه في بصرياثا بطريقة جديدة، سنأتي عليها في دراستنا لبصرياثا. المهم أني اجد المفهوم نفسه يرد في قصة حامد فاضل مثلك تجيد نسج الحكاية بنول الكلام. حيث النول والنسج مفردات تعبر عن الحائك. هذه مفردة اصطلاحية لها مديات استيعاب أكثر من السارد والراوي، لأنها تخلق الكلام وتحيكه، لا مجرد تنقله لترويه، ربما تقترب من السارد المؤلف، ولكن من هو السارد المؤلف؟ هل هو المؤلف الواقعي، أم المؤلف المجرد؟ ستكون هذه الثيمة حائك?الكلام موضوعا للحوار النقدي.