install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

الجمداني

نعيمة مجيد

بدأت مشوارها الأدبي، في العقد الثمانين من القرن العشرين, بنشر العديد من القصص القصيرة, وبكتابة المقالات الأدبية في الصحف والمجلات العراقية. نالت حضوراً أدبيا طيبا بنشرها في الصحافة المحلية والعربية كالزمان اللندنية, ومجلة الأديب المعاصر ومجلة الأقلام وغيرها.

لها ثلاث مجاميع قصصية: زهور ثلجية, الوجه الممسوخ, امرأة الصقيع الأحمر.

عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين, عضو جمعية العلوم العراقية, عضو جمعية الفيزياء والرياضيات, عضو رابطة المرأة العراقية.

بكالوريوس فيزياء من الجامعة المستنصرية, ماجستير طرائق تدريس العلوم / جامعة سانت كليمنتس البريطانية.

الإهداء:

إلى أبي بدر، وكلّ الأنصار

(القتال ليس هدفنا، بل نحمي أنفسنا من الأعداء)

 

(يوسف............يوسف.............يوس..........ف..........يو....س.....ف !!)

يتهدج الصوت الأنثوي في عمق الوادي مرتحلا، ليسافر بعيدا، فيتلقفه الفضاء المتسامق مع قمم الجبال الشاهقة، ليخرج منه مدويا ومتقطعا، لكنه ملتحم بصرخات أناس باتوا متعطشين للقاء الأحبة، أناس متشابهون يمزقهم بؤس أيوب وصبره، قرروا الفرار من قبضة الموت المحتوم، وهم سائرون صوب كردستان....

يتغلبون على المكائد والشرك المنصوبة لهم والتي تباغتهم في كل معبر حدودي يوصلهم إلى العراق، سواءً مع تركيا أو سوريا، يرومون الدخول إلى أرض حبلى بالحزن والغيوم الرمادية، تنقلهم خطاهم حثيثا وكأنهم جسد منغلق على ذاته. سيطر الوجوم على تفكيره.ولكن ما دار في خلد يوسف المفعم بالأغاني والأناشيد الوطنية العراقية جعله يرددها بصوت غير مسموع.

(نعلن موتنا للجميع، ونحجم عما يدور في مخيلتنا، نتوجس من كشف سرنا، وافتضاح أمرنا، نكتم صرخة الغضب الناقمة على دكتاتور يجتز الرؤوس، لكننا لا نبوح لبعضنا، الشيخ والشاب والمرأة سيان لا فرق بينهم... يجتاحهم المخاض العسير بعبور نهر دجلة ومياهه المتدفقة بضراوة من منابعه الأولى، لكنهم لا ييأسون، تحملهم ظهور قوارب خشبية بالية قد أدبر الدهر عنها منذ عقود خلت، ولا وسيلة لهم إلا هي.... تنفعنا اليوم في حل أزمتنا ووصولنا إلى الضفة الأخرى من النهر.                                                                          

 تنطلق متهاوية عبر الأمواج وتنحدر بنا وسط النهر، وعلى مرأى حرس الحدود التركي (ومفارزه) المنتشرة  وما أقساها وما أشدها من مفارز ليلاً....الزورق يتأرجح بين الفينة  والأخرى، يشق طريقه بصعوبة بالغة بين أمواج المياه فتدفعه متأرجحاً أو طافيا  فوقها وأحيانا يميل  جانبا أو يكاد ينقلب بنا ملامساً وجه الماء  ليغرقنا فيه، لكنه يعاود المقاومة وينتصب ثانية

 (صاحب القارب الذي يدعى (الدليل) يقول: - سويعات ونستقر في الضفة الأخرى، عسى أن نصل قبل العتمة الليلية الدامسة).

بشائر تلوح لنا بظهور علامات للجهة الأخرى، ونحن عائمون في الزورق البائس وسط النهر، أعيننا تحدق مذعورة في كل الاتجاهات.

نرسو بالقرب من شاطئ النهر، مؤمنين وصولنا إلى برّ محفوف بالحذر والخوف، نستطلع المكان رغم ظلمته الدكناء نبحث عن حياة كاد يخلو منها،..لولا قطعات عسكرية منتشرة بكثافة وعلينا التخفي منها باجتياز الشارع الطويل الممتد أمامنا، ملتوٍ كأفعى، وبإضاءة باهتة يبث سمومه بنقاط إنارة متفرقة هنا وهناك.

بقينا نقارع الانتظار والتريث لاقتناص فرصة مناسبة لعبور الشارع، نلوك تعب الرحلة أو بالأحرى نسيانه بما كنا مثقلين به من حقائب سفر تحمل حاجياتنا الضرورية ولكني أيضا أحاول أن أتجاهلها وأحسها خفيفة لما يحدو بي من ألم جراء الحذاء الذي يكبل قدمي وما أحدثه من ورم وانتفاخ جلدي بين أصابعي وباطن القدم.  مع ذلك لا أقدر التخلص منه برميه والسير حافيا في هذه الأراضي الوعرة. اذا سأبقيه معي رغم عبئه الثقيل...إني أتأوه من الألم.... الكل لا يبالي بما ينوء به من تعب وهم، فليس أمامنا خيار إلا المضي والمواصلة والمشي بمحاذاة أنا?يب النفط الضخمة التي تشق طريقها وسط أراض شاسعة، متخفين خلفها عن عيون الحرس بين صعود ونزول في وهاد الروابي وتعرجاتها، إنها ذاهبة بالنفط إلى التصدير عبر الموانيء البحرية.

إحساسنا يتلاشى بالوصول إلى المناطق الآمنة وقوانا تخور لولا شباب من أهالي الجبال ساروا معنا  كأدلاء جابوا المكان مسبقا وقرأوا تفاصيله وخبروا ناسه، أعلمونا بمغاليق الطرق ومخابئها السرية وزودونا بالطعام وما كنا نبغي منهم غير الوصول، فكانوا يطمئنوننا بقولهم....(اخوان سوف نصل بعد ساعة).

والساعة تتحول إلى ساعات، والمشي بين الجبال والوديان يسرق جهد أجسادنا بما يقارب الليل والنهار كله.  معا نسير....ونسير....ننام ونسير، وتشعر بالسعادة لأنك تغفو دون أن تدري، غفوة تسرقها من الزمن المرير، ربما كانت ربع ساعة أو ثوان أو لحظة المهم أنك لا تعلم كم من الوقت قد تبدد وأنت السائر النائم.

ينبهنا الدليل إلى الأغذية وهو يقول.. (اخوان المؤن.. المؤن لا تجهزوا عليها دفعة واحدة، بل اقتصدوا بها، وعدم التبذير بها وإلا سيواجهنا الهلاك بنفادها.  يكاد صبر السائرين يخرج عن توازنه، وهم يسألون عن الوصول، فيأتي جواب الدليل: (نصف ساعة إخوان ونصل)..... يثير هذا الجواب حفيظتهم..... ويسألونه ثانية بانزعاج مشوب بالأسى.... وكم هي النصف ساعة لديكم يا ترى ؟ هل هي ساعة، ساعات..... يجيب بضحكة قصيرة: (هانحن قد وصلنا). وهنا بيت القصيد، برّ الأمان والتخفي، ولا عيون لرقيب توقع بك شراً..

كنت مسرورا للتخلص من حقيبتي، وانطوى الزمن الغابر تحت وسادتي واسترخى الجسد غائراً فوق (التبن) الرطب، وعلف الحيوانات ورائحته العطنة تفوح من كل المكان، وساد الصمت بين الجميع، لينهضوا باكراً ويجدوا أنفسهم محاطين بروث الحيوان في زرائب ممتلئة بخوار البقر وثغاء الماعز.... وتكتشف أن جسدك قد غزاه الدود الفارسي،  مع ذلك تحلق بك الفرحة بعيدا لأنك صامد وتتحدى مع أناس يؤازرونك وأنت في أحلك الظروف  لمقاومة الطغيان والنوم والنعاس والتعب وأورام القدم.... لن تلوى عزيمتنا بعد اليوم، هي بداية الطريق الممزوج باليقظة والحلم حي? دخولنا وادي (كلي) ومشاهدة مقاتلين يتدربون على السلاح. سبقونا للمجيء هنا، وما أن علموا بنا استقبلونا بنحر ماعز جبلي أو (البزن) كما يسمونه في القرى الكردية، إكراما لوصولنا، وهذا كرم عظيم وضيافة ما بعدها  ضيافة، فاليوم ليس كباقي الأيام.... حيث اكتشفنا فيما بعد، أن أياماً تمر على المقاتلين لا يجدون فيها الطعام سوى العدس صباحاً ومساءً، دون أن يبدوا تذمراً أو نقاشا، تلك حالة من العيش برفاهية، واهون من الخضوع لجبروت ظالم، جلاد... نقاتل ونتدرب على السلاح... الموت ينفذ إلينا حتى من ثغور الوديان وجحورها من قبل فلول?النظام وجحوشه الأنذال.... القتال ليس هدفنا بل أن نحمي أنفسنا منهم،وقد رٌفع شعار بين صفوف المقاتلين (نعم لإسقاط الدكتاتورية البغيضة).

أتابع متدربين منبطحين يحملون رشاشات (الكلاشنكوف) أمام الفصيل المنتشر في ارض الوادي وقد خلت منها الأعشاب في يوم شتوي مدلهم بالغيوم الرمادية، وقد تناقل خبر مجيء امرأة من بغداد، ولا أعرف لماذا راودني احساس أن تلك القادمة الى هنا تحمل أخبارا عن أهلي، ووعد زوجتي بقدومها إلي حال استقراري بالمكان، دوي الرشاشات يعلو فيشق ضبابية الوادي، وعتمة الزقاق الذي ولدتُ فيه.... اشتقتُ لصوت أمي، ترى كيف حالها اليوم،...أين أخوتي الآن ؟...زوجتي !؟

أليست هذه المرأة قادمة إلى مقرنا. لماذا لا تأتي هي؟

اسمعي، لن أخشى استجوابهم ، أو زجهم  لي في المعتقل، الموت أهون من الاعتراف على الرفاق...لن أساوم ولن أرضخ لهم....سأسافر ، أني أختنق هنا....داخلي يتهاوى لا أريد البقاء.

الدمع يفر من عينيها، تقبلني، تقول...لا عليك سأرتب أمر سفرك، هناك رجل يعرفه أبي، يعمل سائق شاحنة لنقل البضائع بين الكويت والعراق، سأكلم والدي بخصوص سفرك، سوف يتم تهريبك  عبر الحدود بين البلدين، أتفاءل لهذا الخبر ولكني أتضاءل في نفس الوقت أمام ذاتي، وأتراجع بوخزه ألم حاقت بي، أفضيت بسؤالها مسرعا ( وأنتِ ؟..) تجيبني بهدوء....لا عليك سأدبر لك السفر أولاً وبعدها سألحق بك.

ألم تأت هذه المرأة اليوم إلى مقرنا..فما بالها هي..ألم توعدني بالمجيء؟...ربما مضايقات النظام منعتها من الدخول إلى هنا. 

الزمن يتباطأ ويتعثر بعكازه في أرض السواد بين زهور ترقص حرة في حدائق غناء وقيود تكبلني في أرض البصرة القاحلة رغم المياه التي تغمرها من كل صوب،أصرخ...أبغي الإعتاق من ذاتي، تروح وتجئ غير مستقرة، لكنها تلوذ أخيرا في فيافي وهمية من حر لافح في صيف تكاد تنضب فيه معالم الحياة، تغزوها رطوبة عالية وساخنة في آن،..... أبغي اللقاء به، يصحو شط العرب فجرا على صوت المراكب والسفن الكبيرة الذاهبة منه والعائدة إليه تفل صمت السكون بطيئا وبحذر شديدين،  تعد الثواني حيث اللقاء المرتقب مع سائق الشاحنة، تمتزج اللهفة لقدومه والضجر ?لنافذ بعد الثواني الأولى من الانتظار،.....ولكن...ها قد أتى. المساومة قد تمت بتهربي من الحدود إلى الدولة الأخرى مقابل المال...اتفقنا.. وحُشر جسمي الكبير في صندوق الشاحنة الخلفي، اختباءً  من رجال الأمن وحرس الحدود، تنمو وتتصاعد  وتيرة الخوف والقلق في ظلام العلبة الحديدية، لكنه مفعم ببصيص الأمل والخلاص من النظام الدكتاتوري الظالم.

تزداد حرارة المكان وجسمي المكبوس فيه عنوة والمنكمش على ذاته لكي يحتويني الصندوق المنقذ والخانق برائحة البنزين المحترق، والدخان النافذ من فتحات الأنابيب الجانبية لقاعدة الشاحنة............... نعم قبلت بالمساومة من أجل السفر، وأن أكون تحت رحمة هذا السائق.

الطريق يطول ويطول، واهتزاز الشاحنة وأنين العتلات الميكانيكية تتسرب إلى جسدي مهتزاً معها، يُضجر المزاج لحين... ولكن لا يهم لازال بيَ طاقة للتحمل والصبر لاجتياز المعبر الحدودي.

أحسستُ بعجلات الشاحنة تتهادي وتثقل الحركة، لا بل تتوقف عن الحركة تماما في مكان لا علم لي به،  يزيد من هواجسي وخوفي،...ربما حدث مأزق للسائق أو مكروه أجبره للوقوف، قد ينقلب إلى كارثة علينا.

ينفتح باب الصندوق، يصدمني الضوء المشع في أرض رملية والمنبعث من شمس بالغة السطوع، أغلق عينيي بوضع يدي عليها... ينحني السائق قليلا ويشير لي بالخروج، ولكن سؤالا يصدر بصوت مكتوم ممزوج بالرعب.

- ماذا حدث....هل تجاوزنا منطقة الخطر؟  

يجيب :- ليس بعد، هون عليك...ولكن اخرج الآن...اجلس بالمقعد الأمامي، عندما نظرت إليك بالوهلة الأولى وجدت في ملامحك وهيئتك العامة وملابسك لاشتبه الآخرين، أنها توحي بأنك غريب عن البلد الذي أتيت منه أو الداخل إليه.

يمسك سائق الشاحنة المقود ويسوق بانطلاق واضح، الفرحة تتعاظم في داخلي...لقد زال الخطر، وفلتُ من قبضتهم.... لكن رجال الشرطة الكويتية توقفنا ثانية في نقطة التفتيش للقادمين من الحدود. يهمس السائق لي بعدم التحدث معهم حتى لو سألوني.

أجابهم بدلا مني:- انه لا يعرف اللغة العربية،...انه بلغاري، ونحن لدينا صفقة تجارية مرخصة للدخول إلى الكويت...

صدقوه، لما أحمل من ملامح الرجل الأشقر وسحنة وجوههم البيضاء.

دخلنا أحد بيوت الكويت المتفق معم لإيوائي، وصار لي مأوى في بلد ليس مسموحا لي فيه بموطئ قدم وأنا الهارب بلا جواز سفر، لا يوجد أحد في البيت سوى رجل لا يبالي بأمور الدنيا ولا يعُيرها أية قيمة ماعدا القمار.. وبدأ يحاول أن يستغل اختبائي ويساومني عليه بما لدي من المال، وها أنا أكتوي بناريين،... نار الاختفاء والعزلة والابتعاد عن الأهل،... ونار التهديد والابتزاز.

سأمت الانتظار، اليأس يأسرني في شباكه،... متى الفرار من جدران بيت مقيت. أشعل شموعا في  ذاكرتي تضيء حنينا لأسرتي التي فارقتها منذ شهور، لأطفئ  جذوة الغضب المستعر في رأسي وأتناسى ابتزاز الرجل، كاد  يجهز على كل ما وفرته من أجل السفر.... خشيتُ أن يأتي يوما لا املك مالا وأنا حبيس هذه الجدران، لا أستطيع الخروج منها.

ثمة بارقة أمل حطت توا عليَ، وهو ينبئني بوجود الحل لسفري.

راح يساومني على ما تبقى لديَ من المال من أجل تهريبي إلى الدول الخارجية.

نعم أوافق وبأي ثمن.... فالغريق يتعلق بقشة للوصول إلى شاطئ الآمان، قشة تعوم وسط النهر لإنقاذه.

دُبّر أمر رحيلي من الكويت، وباتت جبال كردستان وشيكة المنال، تفتح ذراعاها لي.

صعوداً...صعوداً... وتحليقاً بجناحيك كالعصافير، وكما ظل بيت الشعر لأبي القاسم الشابي  يصدح في الحناجر ويخَلد في الأذهان دوماً وعلى كل لسان من رفض الذل والهوان.

ومَنْ يتهيب صعودَ الجبالِ يعشْ أبدَ الدهرِ بين الحفرْ

أشعاركَ كالشاهين ترتقي في كبد السماء، وتهيم مقتحمة رمال الصحراء وكثبانها المرتجفة، دائبٌ فيها غير مبالٍ  بمروركَ في المحطات المتوالي،....

ولازال الوصول إلى نهاية المطاف لم يأتِ بعد.

ولم تعد جبال بهدينان وعرة بعدما ألفتها، واعتادت قدماي التسلق على الصخور البنية، وغيوم متلاطمة تسبح بين قمقم الجبال الشاهقة، تنبئ عن مطر غزير تغتسل تحته غاباته المتشابكة الأغصان والنافضة لأوراقها منذ شهور، على أرض الوادي متكدسة، فوق بعضها، رطبة تبعث عنها رائحة الزرع المبتل بالمطر، تدوسها أحذية البيشمركة  فتغور أقدامهم فيها أثناء السير والتوغل وسط الغابات لملاقاة جند النظام.

الانتظار يطول في شتاء أطول، نغرف الثلج المنهمر على السفوح، نجمعه في دلو ليصبح ماءً للشرب بعد غليه.

رجال ونساء ينتشرون بملابسهم الخفيفة لا تقيهم البرد هنا، يثيرون دهشة وفضول الناس في القرى الكردية، فنسمع تعليقاتهم....................

-  مجانين هؤلاء الشيوعيون، يتدربون على السلاح وسط الثلج ولا يبالون..

نبتسم لهذا الإطراء والاعتراف بنا  وبتحدينا للظروف الصعبة، فالصعوبات كثيرة ولكن علينا أن نواريها خلف همتنا ونشاطاتنا المختلفة.

ومع ذلك ظل سؤالي قائما؟.... وشوقي لأمي وزوجتي والأهل في بغداد!.... ولم أصدق أن هذه المرأة قصدتني أنا بالذات، وتسأل عني!!... ترى من تكون هذه المرأة؟!

وبدا الصعود سريعاً وهو يقفز أمامي، ينقل رسالة هذه المرأة ويخبرني أنها زوجتي. ورغم أن الارتقاء صعبٌ ومقيدٌ بقوانين نيوتن وجاذبيته، والنزول من قمة الجبل أسهل لأنه مرهون بها أيضاً، لكن خطاي كبلها الذهول والفرحة معاً....أرى الجبل مترنحا والهواء طليقا يمرح بين الوادي والجبل، وأنا معه اهتز اضطرابا من الموقف. سنون مضت والمرأة شامخة هيفاء تصارع القهر والزمن الرديء،.... ابتسامات تتوزع على شفاه الرفاق، وعيونهم مشدودة لقدميَ المرأة وهما يقاومان وعورة الصخور وصلابتها............ تتسلق، وتتسلق بسرعة... تتسامى، تتأرجح، ?تتمايل طيات (ثوبها) مع الريح..... لم تخر قواها أثناء وصولها قمة الجبل.

الرفاق يبتسمون، ويلاحقون مشهداً مثيرا ومؤثراً في آن، ملاقاة الحبيبين الزوجين وقد فرّق بينها الزمن الصعب سنينا.

(ماذا أفعل....هل أذرف الدمع كما يفعل الرفاق الآخرون،... أم أبتسم.. هل  أحجب حبي عنهم؟... أم  أعلنه بينهم؟.... لكن الحياء الإنساني يدعوني أن لا يراه الرفاق.)

أحاول فك الجمداني من فوق رأسي، وأرفعه نافضا إياه بالهواء، ليصبح خيمة تستر وجهينا وتضمنا معا)، انها خيمة الرجل المقاتل في عري الجبل الشاهق والمكشوف لوجه السماء..... اختلط اللقاء بالبكاء، فالكل هنا محروم ومتعطش لمعرفة أخبار بغداد والمدائن الأخرى.

وما زالت خيمة الجمداني منتشرة تظلل رؤوس المقاتلين في  كردستان وتحميهم من لهيب نظام مستبد..... لكنهم لا يُقهرون وسط جبل الثلج البهيج.