install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

مكتبة الثقافة الجديدة

 متابعات في الصحافة الثقافية العالمية

ترجمة: الثقافة الجديدة

مكتبات:

تاريخ سياسي:

الثورة الكوبية ثورة قادها شعب ولم يقدها أشخاص:

 

يعمل أنطوني كابسيا، مؤلف كتاب (القيادة في الثورة الكوبية... القصة غير المرئية)، أستاذا للتاريخ الأميركي اللاتيني في جامعة نوتنغهام, وهو من كبار الخبراء في بريطانيا في الموضوع الكوبي، ويدير مركز الأبحاث الكوبية وقد نشر العديد من الأعمال في هذا المجال. يؤكد كابسيا بأن فيدل كان دائما واعيا للحاجة الى منظمة وراء القيادة وواعيا لأهميتها للمسيرة الثورية (ص3)، وعلى الرغم من دور الحزب الواحد تكشف نظرة متمعنة عدة أمثلة كانت فيها النقاشات مفتوحة وعامة ومشجَّعة  [] وكانت الاختلافات في الرأي واضحة (ص 18). يقول كا?سيا بأن فكرة النقاش كانت دائما مركزية في مسيرة الثورة وتتغذى من القرار المشترك المطور عبر التعبئة الجماهيرية وبنى الحزب (ص 20-19).

اضطلع راؤول كاسترو رسميا في العام 2008 برئاسة كوبا، وقد اعتبر بعض المعلقين هذه اللحظة التاريخية بداية مرحلة ما بعد كاسترو. يضع الكتاب بنجاح أساس فهم لطبيعة التغير المعقدة للقيادة الكوبية، ويقدم تفصيلا واضحا للتحولات التي طرأت على هذه القيادة، ويبين ببراعة تهافت التمثيلات التي تصورها فردية. يدرس مراحل القيادة في أربعة فصول مسبوقة بتحليل لدور نواة قيادة الثورة، الثلاثي فيدل-جيفارا-راؤول، ويوفر، مع الوصف للتكون الآيديولوجي لهؤلاء القادة، وصفا لدورهم قبل وخلال الثورة وسنواتها الأولى.

في الفصل الثاني يحلل تشكيل الطليعة التي، بعد فشل هجوم مونكادا، بدأت الثورة المضادة لباتيستا والثورة بحملة غرانما. في هذا الفصل يشرح بأن الحظوة التي تمتع بها الثلاثة في صفوف الثوار ترجع الى براعتهم في القيادة خلال حرب عصابات سييرا، ومع ذلك يفند كابسيا فكرة تمحور الثورة حولهم مبينا بأن هذه الثورة ومنذ اللحظات الأولى كانت مشتركة القيادة وكان مع الثلاثة آخرون أبرزهم كاميلو سينفويغوس (ص 53). يعطي الفصل الثالث سردا لجهود توحيد مختلف مكونات الثورة وخصوصا بين حركة 26 حزيران وحزب الشعب الإشتراكي وفصائل داخل الحركة ?رزت من ضغوط داخلية وخارجية مثل إبعاد طبقة محترفة كاملة عن سدة السلطة والحصار المفروض من قبل الولايات المتحدة منذ بدايات الستينيات (ص 62 - 86).

يحلل المؤلف في الفصل الرابع تشكيل الحلقة الداخلية للقادة مرتبطة بالتجربة الثورية المبكرة، حرب العصابات في سييرا وعلاقتها بالناشطين في المناطق الحضرية Llano وحزب الشعب الإشتراكي PSP ، ويلقي الضوء على أهمية ثلاث نساء في الحلقة الداخلية تم التقليل من أهميتهن نوعا ما في التحليلات التاريخية التقليدية، فقد كن يقمن بمهمة الربط بين مقاتلي سييرا ومقاتلي المدينة وكذلك كان لهن تأثير في ترسيخ الإصلاحات، وهذه النسوة هن سيليا سانشيز، وفيلما إيسبن، وهيدي سانتاماريا.

الفصول التالية تحلل بسرد ممتع التغيرات في القيادة الكوبية وفقا للموجات الآيديولوجية والمستجدات التاريخية، فمثلا الراديكالية الجديدة ما بين العامين 1963 و1975 التي بدأت ﺒــالنقاش الكبير بعد الأزمة الإقتصادية 1963-1962. تولد النقاش هنا من التزام المثقفين مترافقا مع بروز اليسار الجديد في أوربا (ص 118). يركز الفصل الخامس على الفترة 1975 - 1986 التي اتصفت بالروابط القوية مع الاتحاد السوفييتي (ص 132). يشير كابسيا على كل حال الى الفوارق بين النظام الكوبي والنظام السوفييتي ويبين كيف أن متانة العلاقات بينهما تر?ع في جزء منها للضغوط الخارجية التي ولّدها الحصار الأميركي، ويركز بالتالي على التغيرات في دائرة السلطة كنتيجة لمتانة العلاقة (ص 145 - 152). بالمقابل يصف الفصل السادس عملية التصحيح، العودة الى أفكار ونماذج الستينيات، خصوصا انبعاث الأفكار الأساسية لشي جيفارا (ص 154). العملية قادت الى تغير آخر في الحلقة الداخلية للقيادة بإعادة الإعتبار الى القادة الذين همشوا في الفترة السوفييتية، كذلك يتحدث الفصل عن أزمة (1989 - 1994) الإقتصادية وجهد تجديد القيادة من خلال الإهتمام بالكفاءات القيادية المحلية والإسهام في إنق?ذ النظام (ص 161)، وبالتالي عبر معركة الأفكار التي أعلنت رسميا بعد سنة 2000، هذه المعركة التي خلقت أنواعا جديدة من النقاش في المجلات، والأوساط الأكاديمية، ومراكز البحوث، وغيرها، لتنعكس بتغييرات أبعد مدى في القيادة.

إن قراءة هذا الكتاب بقدر ما هي جوهرية للأكاديميين والطلبة والخبراء في المسألة الكوبية فهي ضرورية لعموم القراء لفهم أعمق لعملية بناء الأمة ولدور العديد من الشخصيات التي لم تأخذ حقها في السرد التاريخي التقليدي. 

فرانسسكو دي فرناندو/ موقع كلية لندن للعلوم الإقتصادية والسياسية  

الكتاب:

Leadership in the Cuban Revolution: The Unseen Story by Antoni Kapcia. Zed Books. 2014

*****

 

مسرح:

ليف دودين... مسجل الوقائع الروسية على خشبة المسرح

 

يزدحم كل ليلة بالجمهور، منذ 25 عاما، مسرح المخرج (ليف دودين) الواقع في قلب سانت-بطرسبورغ، عاصمة القياصرة السابقة، ليشاهد أعمالا مسرحية قد تصل مدة عرضها الى خمس أو سبع ساعات. مسرح (مالي) الذي يقدم فيه دودين عروضه، والذي إحتفل في العام الماضي  بمرور ربع قرن على افتتاحه، ممتليء دائما الى درجة تضطر الإدارة معها الى وضع كراس في الممرات. في أواخر العام الماضي تم تقديم ثمانية مسرحيات في باريس منها (العم فانيا) لأنتون شيخوف، المسرحية الأكثر ظهورا على المسارح في العالم، ومسرحية (الشياطين) لدوستويفسكي، تسع ساعات مع ?اصل، دون أن ننسى (الحياة والمصير) وهي اقتباس رائع بثلاث ساعات ونصف لرواية (فاسيلي غروسمان). إن رؤية مسرحية يخرجها ليف دودين هي دخول الى عالم مربك من الصعب الخروج منه سالما. لا ديكور فخم، ولا ضحكات مقهقهة، ولا تكلف، بل غوص في متاهات النفس البشرية، غوص في التقليد الروسي الأكثر أصالة.

يبلغ عدد ممثلي الفرقة حوالي 60 وتتراوح أعمارهم ما بين 23 و60 سنة وبعضهم يعمل مع دودين منذ وقت طويل فيما التحق به البعض الآخر بعد إنهائه الدراسة في الأكاديمية المسرحية في سانت-بطرسبورغ حيث يلقي محاضراته منذ 35 عاما.

هذه المرة يعيد دودين اكتشاف مسرحية (الشقيقات الثلاث) مستلهما تقاليد المسرح الروسي السايكولوجي العظيمة. الحداثة هنا ليست مرئية فورا كما يحدث غالبا مع مسرحيات المخرجين الألمان، الذين يهتمون بالعلامات والشيفرات بشكل مباشر على المسرح، ولكن الحداثة هنا محتواة في قراءة شخصيات المسرحية وعلاقاتها والتي تحمل نظرة جديدة، مخلَّصة من الكليشيهات. الأحلام الضائعة، والحب المستحيل أو المصدود، والحياة التي تتسرب في رمال الوضاعة أو تتحطم باصطدامها بالقدر. المنزل الذي نلتقي فيه بالشقيقات الثلاث، أولغا وماشا إيرينا، وشقيقهن أ?دري وزوجته والمجتمع الصغير المحيط بهم، نرى واجهته في بداية المسرحية بنوافذه العالية ويسمح لنا تصميم ألكسندر بوروفسكي برؤية مشاهد كالمشاهد السينمائية من خلال هذه النوافذ. 

إن ناتاشا المجردة من كل مثال ومن كل إحساس بالكرامة الإنسانية لا تختلف بالمحصلة عن الشخصيات الأخرى فأي خيار لهن في عالم فيه الرجال ضعفاء وضائعون إلا اغتنام الفرصة والحصول على السلطة؟ (عندما كتب تشيخوف المسرحية في العام 1900 كانت النساء قد بدأن يعملن ويتحررن) أم يبقين وحيدات مثل أولغا وإيرينا، أم يتزوجن زواجا فاشلا مثل ماشا، أم يكن هن المتحكمات في البيت لا أزواجهن مثل ناتاشا؟ ولكن لا يبدو أن أحدا سعيد بخياره، ويظهرهن ليف دودين منقطعات داخل نوافذهن. أولغا (تمثل دورها إيرينا تشينينا) الشقيقة الكبرى، الفتاة الع?وز التي تحمل طاقة مأساوية لا نظير لها، حزن المرأة التي تعرف أن كفاحها من أجل الإستقلال حرمها من الحب. وماشا (الممثلة إيلينا كالينينا) الأكثر حماسا وتفجرا وروسيةً من الآخرين. وإيرينا اللطيفة ولكنها (بتجسيد الممثلة إليزافيتا بيوراسكايا) شابة تمتلك شجاعة أن تحيا وتبقى مخلصة لمثلها وهي، بالنسبة لليف دودين، جوهر عمل تشيخوف. أما أندري الشقيق (الممثل ألكسندر بيكوفسكي) فهو طفل كبير بعد أن تربى على يد شقيقاته سمح لزوجته أن تجعله مخنثا. كل الآمال تتحطم الواحد بعد الآخر وتتفجر في النهاية بصرخة ماشا المجنونة الوحشية و?ي ترى (فيرشينين)، الذي عرفت معه الحب على الأقل، يرحل.

فابيان دارج/ مراسلة جريدة لو موند في سان بطرسبورغ (روسيا)

*****

 

سينما:

رجلان في الصحراء

 

في العام 1954، في بداية الثورة الجزائرية، وفي مدرسة صغيرة ضائعة في قلب جبال الأطلس فيما كان دارو (الممثل فيغو مورتنسن) يعلّم فرنسيي شمال أفريقيا الصغار أسماء أنهار بلدهم فرنسا جاء رجل الجندرمة على حصان يجر رجلا عربيا (الممثل رضا كاتب) بحبل وضع أنشوطته في رقبته. هذا الراعي قتل إبن عمه ولا بد من تسييره الى المدينة لكي يحاكم، وقد عهد بهذه المهمة الى المعلم الذي يرفض. لكن في اليوم التالي هوجمت المدرسة من قبل عائلة المجني عليه مطالبين بالدية. بعد ذلك كان على دارو أن يتصدى لمستوطنين فرنسيين مستعدين لتنفيذ القصاص?بأنفسهم. هكذا وجد دارو نفسه في مشكلة بوجود هذا السجين عنده، ولا بد له من أن يسير في الطريق الى المدينة مصطحبا محمدا. الطريق في هذه المناطق وعر والحياة والموت كلاهما يسيران مع الرجلين جنبا الى جنب، فتارة يواجهان المتمردين الجزائريين وتارة يصطدمون بالجيش الفرنسي.

يقدم المخرج (ديفيد أويلهوفن) بفيلمه (بعيدا عن البشر) منظرا سينماتوغرافيا يمزج ما بين الأكشن والتأمل، وقد لحن (نيك كيف) و(وارن إلليس) موسيقى تعكس صوتيا ما تعبر عنه الصورة من صحراء شاسعة تؤكد ضآلة المخلوق البشري، وحيث يطرح توغل الرجلين في البعد الجغرافي وفي التأمل الأخلاقي أسئلة حول الإلتزام والضمير والواجب. تم اقتباس موضوع الفيلم من قصة قصيرة لألبير كامو عنوانها (الضيف) 1957 في مجموعة (المنفى والمملكة) ويبلغ عدد صفحات القصة حوالي عشرين صفحة، وفي حين أن أحداثها بالكاد تتعدى أرض المدرسة فإنها في الفيلم تكون ع?ى امتداد عشرات الكيلومترات لكنها تضيق بحيرة المعلم الذي تثيره جريمة هذا الرجل ولكنه يرى تسليمه مناقضا للشرف. بمضي الرجلين في طريقهما تنشأ صداقة بينهما. في قصة كامو يشير دارو للعربي الى جهة الشرق حيث المدينة والمحاكمة والى جهة الغرب حيث الصحراء والحرية ويتركه يرحل. يكتشف دارو بأسى فيما بعد أن العربي إختار السير متمهلا في الطريق المؤدي الى السجن. أما محمد في فيلم المخرج (ديفيد أويلهوفن) فيختار الإتجاه الآخر.  عندما يعود المعلم الى مدرسته يمسح من السبورة السوداء الأنهار الفرنسية ليرسم بدلها جبال الأطلس مؤكدا ?هذا هوية الآخر. في قصة كامو يكتشف المعلم تهديدا خط على السبورة ويحس بأنه منفي في مملكته في هذه البلاد الواسعة التي أحبها كثيرا، كان وحيدا.

 Loin des hommes, de David Oelhoffen (France, 2014), avec Viggo Mortensen, Reda Kateb. 1h41.

أنطوان دوبلان/مجلة لو تون السويسرية

*****

 

موقف ثقافي:

تكلموا قبل أن تصبح بلادنا أرض الأحياء الأموات

 

ليس من نهاية رمزية أشد تدميرا لكاتب من أن يعلن موته ويقطع علاقته بالكلمات. ماذا يعني للكاتب أن لا يكتب؟ أن لا يدع المخيلة تعدو حرة، أن لا يلاحظ ولا يروي المخاوف، والمسرات، والكرب، والألم؟ هل يمكن للكاتب أن يسلّم (طوعا أو كرها) أفكاره وكلماته (أو أفكارها وكلماتها)؟  في الأسابيع القليلة الماضية علمنا أن الدولة بالتحالف مع المتعصبين منحت موتا كهذا الى كاتب. نحن نعلم القليل عن (بيرومال موروغان) perumal murugan نفسه ما عدا أنه كاتب من التاميل-نادو يملك بعض الشهرة والآن يطارده المتعصبون بسبب روايته Madhorubhag?n.

هذا الكتاب يروي قصة زوجين متحابين ولكنهما لم ينجبا أطفالا، ويستكشف الظلم الذي تلحقه المجتمعات والمعتقدات الإجتماعية بالعلاقات. يدفع الضغط الإجتماعي الهائل البطلة الى عمل أي شيء لتحمل بطفل وينتهي بها الأمر الى السعي الى الحصول على طفل كبركة من الرب بسماحها لرجل غريب أن يضاجعها أثناء مهرجان معبد. يؤدي هذا الفعل الى تدمير زواجها. وفي حين أن هذه الممارسة قد ماتت منذ زمن طويل فأن أية أحداث حقيقية أو متخيلة عن مجتمع ما قبل مئات السنين توضع في قصة هي بالنسبة الى قادة دينيين و طائفيين غير مقبولة ومهينة لمعبدهم ولط?ئفتهم.

استهدف أصوليون موروغان ولم يقف للدفاع عنه سوى القليلين، وبدلا من أن تحميه السلطة اصطفت مع أولئك المتعصبين فما كان منه سوى أن ينهار بالنتيجة تحت ضغطها ويوقع إقرارا ليس له مسوغ أو سند قانونيا يعتذر فيه ليس عن هذا الكتاب فقط بل عن مجمل نتاجه أيضا ويتعهد بعدم الكتابة أبدا مرة أخرى. لا يمكن لكاتب أن يلقى مصيرا أسوأ من هذا المصير. لقد وضع عبارة في صفحته على الفيسبوك تقول المؤلف بيرومال موروغان مات!

هذا الحادث مجرد واحد من بين أمثلة عديدة على الفاشية الثقافية المتزايدة التي أطلق عقالها المتطرفون في الهند، فبعد عقود كانت فيها الدولة تقف حائلا بينهم وبين التحرك جعلهم صعود اليمين الى السلطة في وضع مشجع على التغوّل، وفي حين يهون البعض من الأمر بادعاء أن هؤلاء مجرد عناصر هامشية غير أن هؤلاء العناصر الهامشية هم الذين ساعدوا قادتنا الحاليين على الفوز في الإنتخابات وبالنتيجة بقوا أقوياء وغير مقيدين وغير خائفين، وهم أيضا جيدو التنظيم وقادرون على التلاعب بالنظام لصالحهم. منذ عقدين وفي ظل كل حكومة دأبنا على ?عل انتهاك كل شكل من أشكال الحرية الفنية والأكاديمية عادة، وقد عانى الكثيرون أمثال م. ف. حسين، ووندي دونيجر، والآن بيرومال موروغان. هذه الفاشية الثقافية أصبحت في غاية التنظيم ومتغلغلة في نسيجنا الى درجة لم نعد فيها نعترض.

المجتمع الذي لا يمكن فيه قول الحقيقة حتى في قصة هو مجتمع غير متحضر بكل تأكيد. الأمة التي يستطيع فيها المتعصبون التحكم بمخيلة كاتب تعلن نهاية مخيلتنا كشعب. السلطة التي تسلب من كاتب معروف حرية الكلام لا تختلف عن داعش. لقد جعلوا الحرية أول وأرخص خساراتنا. وبالنسبة  الى المواطن الهندي عليه أن يفهم أن هذا الذهان الهذياني خلقه القادة السياسيون وعناصرهم الهامشية لجعله يعتقد أن الهندوسية أو أي دين آخر أصبح مهددا. هذا كله محض افتراء وتضليل، وهؤلاء المتطرفون يحتاجون الدين (دينك أو ديني) ليبقوا تجارة العنف والتخويف?رائجة. إنه الوقت المناسب الآن للدفاع عن أخلاقياتنا كأمة وكشعب. إن حريتنا، وتنوعنا، وكلماتنا، وأفكارنا تحت تهديد لم يسبق له مثيل، وإن لم نتظاهر ونحتج الآن فلن يحتاج مجتمعنا الى كتب جديدة ولا الى أفكار. سيموت الكُتّاب وستختفي الكلمات، ففي ظل هذا التعصب الجديد سيلقننا المتعصبون معرفة جديدة، وما سنعرفه منهم سيكون هو الحقيقة المطلقة التي تلغي العقل.

شابال مهرا/ جريدة (ذي تايمز أوف إنديا) الهندية.

 

 

 

في السيرة

 

(بيت سيغر) مغني الشعب الأميركي

جودت جالي

كاتب ومترجم، ولد ببغداد عام 1951، يكتب القصة والشعر والمقالة ويترجم عن الإنكليزية والفرنسية منذ السبعينيات.

صدر له عام  2012 كتاب من ترجمته وتحريره عنوانه (نصوص عن بول ريكور)، وسيصدر له قريبا (في المنهج الأخلاقي للعمل السينمائي) من ترجمته وتحريره أيضا.

يرد اسم (بيت سيغر)Pete Seeger ، الذي توفي في 27 كانون الثاني 2014 عن 94 عاما، في المعجم السيري لليسار، المجلد الأول الصادر سنة 1972 (1) بوصفه شيوعيا انضم الى وودي غوثري وهو مقاتل سابق شيوعي ومغن شعبي ذكره وزير الداخلية الأسبق ستيوارت أودال في مذكراته بالتبجيل. أصبح سيغر هو وغوثري ثنائيا منتجا في كتابة الاغاني الشعبية والرسائل الشيوعية التي يوجهانها من خلال أعمالهما الفنية، وخلال الحرب العالمية الثانية غنى سيغر عبر البث الاذاعي الموجه الى الخارج والتابع الى مكتب إعلام الحرب أغان وطنية وظف فيها التاريخ النضا?ي الأميركي، تاريخ حرب التحرير، مستلهما منه ثيمات أغانيه كما في أغنية (رماة بينينغتون) 1940 التي تستوحي معركة بينينغتون الظافرة سنة 1777:

ما جاء بكم الى هنا يا ذوي المعاطف الحمر،

ما الذي ملأ رؤوسكم بهذا الجنون؟

في غابتنا الخطر،

والخطر في تلالنا.

لا يمكنكم هنا

نفخ البوق عاليا وبحرية.

الكورس:

لأن البندقية، لأن البندقية

في أيدينا ستثبت أنها ليست شيئا تافها

لأن البندقية، لأن البندقية

في أيدينا ستثبت أنها ليست شيئا تافها.

الى آخر الأغنية، ويقصد بذوي المعاطف الحمر هنا الجيش الانكليزي الاستعماري آنذاك حيث كانت معاطفهم حمراء اللون.

غير أن هذا الموقف الوطني لم يشفع له ولم يمنع من وصمه بالتهم الشهيرة التي أتهم بها كل يساري وتقدمي فيما بعد أبان الحملة المكارثية سيئة الصيت وأدرج اسمه في قوائم الخطرين على الأمن القومي كما تناوله (تقرير عن النفوذ الشيوعي في الراديو والتلفزيون) في جردة لنشاطاته الفنية وتصريحاته الصحفية.

استمر منع المغني الموهوب، حسب وصف مجلة نيوزويك له آنذاك، من الظهور على القنوات التلفزيونية 17 عاما إلى سنة 1967 بسبب إدراج اسمه في القائمة السوداء ووقوفه الحاد بوجه المكارثية وامتناعه عن الإجابة على أسئلة لجنة التحقيق في النشاطات المعادية لأميركا معتمدا على التعديل الأول للدستور في حقه في الامتناع عن الإجابة على أية أسئلة تخص معتقداته وعلاقاته وأدين بتهمة إحتقار اللجنة وحكم عليه بالسجن سنة ولكنه إستأنف الحكم وحصل على البراءة سنة 1962 بعد سبع سنوات من المضايقات والمطاردات القضائية والتحقيقية. قررت الشبكة ال?لفزيونية في العام 1967 كسر الحظر وتقديم حفلة لسيغر في موقف شجاع جرت الإشادة به.(2)

صحيح أن سيغر ترك العمل التنظيمي بالحزب الشيوعي حوالي سنة 1956 ولكنه لم يصبح أبدا مغفلا مفيدا في خدمة النظام، وحتى دعمه للجهد الحربي إثناء الحرب العالمية الثانية لم يكن مطلقا غير مشروط إذ لم يغبْ عن باله طبيعة الحرب الامبريالية وطبيعة الصراع الطبقي الذي يقف خلفها وكذلك آثارها المأساوية على المجتمع الأميركي، الطبقات الكادحة خصوصا، فمهما كانت الحرب عادلة لا يجوز أن تعصف بمستقبل الناس ومن الأفضل أن تنتهي بأسرع ما يمكن، وكانت أغانيه في الإذاعة الدعائية مصدر إزعاج للمسؤولين حيث تقرر أن يمنع من الإداء فيها. كان? إحدى أغانيه التي غناها في الفترة نفسها ضمن كورس الأغنية الشعبية في العام 1941 واضحة إذ يقول فيها:

(لن يكون ممتعا كثيرا

أن يموت المرء من أجل دي بونت في البرازيل)

ودي بونت هي شركة كيمياويات أميركية معروفة شاركت في المجهود الحربي:

(أوه، أخبر فرانكلين روزفلت الشعب عن مشاعره

ويا للعنة كدنا أن نصدق ما قال.

قال أنا أكره الحرب، وكذلك إليانور تكرهها،

ولكننا لن نكون بأمان حتى يموت الجميع).(3)

إليانور هي زوجة الرئيس روزفلت.

كان العام 1941 هو تاريخ التشكيل الأول لفرقة (ألماناك سنغرز) من ثلاثة احدهم بيت سيغر الذي كان يدرس وقتها في هارفارد ويهتم بالموسيقى الشعبية وأنهى للتو جولة دامت سنتين يستمع الى المغنين الشعبيين ويجمع الأغاني الشعبية التراثية، و(لي هيز) الذي هرب من عائلته عندما كان في الخامسة عشرة وارتبط منذاك بعمال الجنوب ونقابات العمال والمنظمات الادبية والموسيقية الشعبية. قدمت هذه الفرقة ألبومات من أبرزها ألبوم (أغان من أجل جون دو) تم منعه. كتبت جريدة (ديلي ووركر) تقول: تشهد أغنية الاحتجاج نهضة سياسية وجمالية في الوقت نف?ه. لم يسبق أبدا للطبقة العاملة الأميركية أن خاضت رهانا كالذي تخوضه اليوم، وأغاني (ألماناك سنغرز) تعكس بالأمس واليوم أحزان العمال في كل زاوية من الولايات المتحدة. قدموا إحدى حفلاتهم عند انعقاد الاتحاد الأميركي للكتّاب، واستمع ثيودور درايزر اليهم وعندما انتهوا علق درايزر قائلا: لو كان يوجد ست فرق أخرى مثل فرقتكم لاستطعنا إنقاذ أميركا. كتبوا في مقدمتهم للأغاني: كتابة اغان وأشعار خاصة بك، وتغنيها بصوت عال بحيث يسمعك كل الانتهازيين وفاشست البلد وأعداء السلام ويرتجفون داخل مكاتبهم المالية ونحن في جيش السلا?. تذكر أن جيش السلام جيش منتصر (4).

إن نضال سيغر من أجل السلام الى جانب كونه نظرة مبدئية للحياة وتجربة شخصية حميمة مؤلمة حيث أن ﻠـــ (بيت سيغر) أصدقاء تطوعوا في كتيبة لنكولن التي غادرت الى اسبانيا لتقاتل الى جانب الجمهوريين ضد جيش فرانكو ولم يعودوا ولم يفارقوا ذاكرته حتى السنوات الأخيرة من حياته حين غنى في إسبانيا تكريما لهم أغنية بالإسبانية، كان إرثا عائليا أيضا فهو ينتمي الى عائلة تقدمية وأبوه شارلس سيغر (توفي سنة 1979 عن 94 عاما أيضا كولده بيت)، كان مناضلا ومغنيا وشاعرا وقد رافقه بيت سيغر عندما كان صغيرا في حفلات وجولات. زوجة شارلس الأولى?(كونستانس) وهي أم (بيت سيغر) كانت مدرسة وعازفة كمان، وزوجته الثانية (روث) موسيقية وملحنة. كان (ألان) عم بيت سيغر شاعرا أيضا وقتل في الحرب العالمية الأولى وقد خلف لنا قصيدة كتبها قبيل وفاته يقول فيها:

عندي موعد مع الموت،

عند متراس يجري القتال للسيطرة عليه،

عندما يعود الربيع بظلاله الحفيفة

وتملأ الهواء أزهار التفاح-

عندي موعد مع الموت

عندما يعيد الربيع الأيام الصافية الزرقاء.

ربما يأخذ بيدي،

ويدخلني الى أرضه المظلمة،

ويغمض عيني ويخمد أنفاسي-

ربما لا زال بإمكاني أن أتخطاه.

عندي موعد مع الموت

على منحدر تلة مليء بالندوب،

عندما يحل الربيع مرة أخرى هذه السنة

وتظهر أزهار المرج.

الله يعلم أني أفضل أن يكون الموت عميقا

موسدا بالحرير ومضمخا بالشذى،

حيث الحب ينبض في نوم هني،

نبض قرب نبض، ونَفَس لصق نَفَس،

حيث اليقظات المهدَئة عزيزة....

لكني على موعد مع الموت

منتصف الليل في مدينة ملتهبة،

عندما يرحل الربيع شمالا مرة أخرى هذه السنة،

وأنا صادق في وعدي،

لن أخلف ذلك الموعد. (5)

بعد الحرب شهدت الساحة الفنية سيلا من النشاطات الفنية الغنائية الشعبية التي يقوم بها فنانون تقدميون ومنظمات وفرق ما أثار جنون الأجهزة الأمنية الأميركية من اتساع ظاهرة حفلات اصطلح شعبيا على تسميتها بحفلات (هوتناني) وأصل التسمية أن الشبان الفنانين الجوالين كانوا يقيمون حفلاتهم في أي مكان مناسب في المدن والقرى من ساحات ومخازن ومزارع وصادف في أحد الأماكن أنهم كلما أقاموا فعالية تصرخ في وجوههم وتطردهم امرأة اسمها (آني) فلقبوها (هوتنغ آني) وهكذا ولد مصطلح هوتناني وصار يطلق للتندر على كل حفل لفترة غير قصيرة. هذه ا?هوتنانيات كان يحضرها أناس قد يتجاوزون الألف ويحييها سيغر مع غوثري ولي هيز فيغني فيها غوثري أغنية مثل:

هناك في قن الدجاج، وأنا جاث على ركبتي

ظننت أني سمعت دجاجة تعطس

ولكنه لم يكن سوى ديك، يصلي

ويرسل تسبيحاته الى الدجاجات في الأعلى

أو ينشد لي هيز عن شجرة الرانكين: إنها تسمم بطاطتي، إنها تسمم قرعي. أو تغني بيتي ساندرز عن القنبلة الذرية: يرون أننا يجب أن نستعملها قبل غيرنا (7) أغان شبابية فيها اللهو وفيها الجد، وقطعا فيها من الطرافة والتجديد الجمالي الشيء الكثير.

هذه المجموعة كانت جزءا من مشروع مجلة (سنغ آوت) الطامح الى بث الغناء الملتزم بمقاومة الظلم والذي بدأ إثناء الحرب وتجسد في المجلة سنة 1946 ليصبح بيت سيغر السكرتير التنفيذي لها. كانت اللحظة التاريخية لهذه الجماعة عندما طُلب منهم دعم حملة مرشح الحزب التقدمي اليساري لرئاسة الولايات المتحدة هنري والاس في سنة 1948 غير أن جهودهم للدعاية لهذا المرشح، برغم أن اليسار كان ما يزال يحافظ على قوة شعبية لا يستهان بها، كانت غير مثمرة حيث تم انتخاب هاري ترومان وسياسة الحرب الباردة. اهتمت المجلة بالشأن السياسي في أحداث معينة?مثل الحقوق المدنية ومحاكمة الزوجين روزينبيرغ وإعدامهما بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفيتي وكذلك وقائع مثل الهجمات العنيفة لغوغاء اليمين ضد التجمعات الفنية السلمية وهم يصيحون: شيوعيون، زنوج، عودوا الى روسيا!، وهذه الواقعة بالذات كانت الملهم لأغنية سيغر (حافظوا على الصف!). الى جانب نشرها للأغاني وبعد أن نشرت المجلة  ما مجموعه 319 أغنية صار أغلبها شهيرا خلال فترة ازدهار الأغنية في الستينيات ختمت مسيرتها بعدد أيار 1949 مع إطلالة المكارثية برأسها.(8)

شارك بيت سيغر في المسيرة الكبرى التي سار فيها ربع مليون شخص في شارع الرؤساء بالعاصمة واشنطن وقد كانت مشاركة سيغر تاريخية حين استلم المكروفون وغنى (أعيدوهم الى الوطن) من فيتنام وردد خلفه الآلاف كلمات الأغنية ولازمة الكورس هل تستمع يا نيكسون؟ هل تستمع يا أغنيو؟ (9). 

طوال سنوات الخمسينيات والستينيات لم ينقطع نشاط سيغر السياسي والفني (أو التعبير الأصح: السياسي الفني) برغم المضايقات التي حددت مجال نشاطه فشكل جماعة جديدة هي (ذي ويفرز) نجحت في تقديم أغان حققت انتشارا مثل (لو كان عندي مطرقة) وأغنية جنوب أفريقية، كما أعاد تسجيل أغنيته اللطيفة (ليلة سعيدة يا إيرين) بنسخة معاصرة:

ليلة سعيدة يا آيرين، ليلة سعيدة يا آيرين

سأراك في أحلامي

أحيانا أعيش في الريف

أحيانا أعيش في المدينة

أحيانا تكون عندي فكرة عظيمة

أن أقفز في النهر وأغرق

(..)

طلبت يدك من أمك

فأخبرتني بأنك صغيرة جدا

تمنيت من الله أني لم أر وجهك أبدا

آسف حتى لأنك ولدت

(......)

أحب آيرين، الله يعلم أني أحبها

سأظل أحبها حتى تجف البحار

وحتى لو تدير آيرين لي ظهرها

سأتناول مورفين وأموت

(.......)

تجعليني أبكي، تجعليني أنوح

تجعليني أترك بيتي

ولكن آخر كلمات سمعتها منها تقول:

رجاء غنّ لي أغنية أخرى

(......)

كان (ذي ويفرز) في بداية الخمسينات نجوما قوميين يبيعون ما يزيد على 4 ملايين قرص، ولكن مواقفهم السياسية وضعتهم على القائمة السوداء، أغنية (لو كان عندي مطرقة) التي ألفها بيت سيغر مع لي هيز أصبحت اغنية عالمية. ثم انفرط عقد الجماعة فأخذ سيغر يطوف في البارات والجامعات والكنائس ومخيمات الاجازات ويكتب متابعات لمجلة (سنغ آوت) وأغاني أطفال عن الحرب الاسبانية رغم مضي كل تلك السنوات عليها. شارك سنة 1959 في تأسيس مهرجان نيوبورت للموسيقى الشعبية الذي صار بمثابة موعد لقاء للهواة والشبان الملتزمين والمعارضين للتدخل في كوب? وبعدها في فيتنام، والمؤيدين للحقوق المدنية ومارتن لوثر كنغ. اهتم أيضا بالتحقيق في الأغاني الشعبية فجمع أغاني وودي غوثري التي غناها في فترة الكساد العظيم وموسيقى فلاحي جبال أبالاش وموسيقى البلوز الأفرو- أميركية، وكان الفنانون من طرازه يحتقرون موسيقى الروك والبوب باعتبارها تقوم على أساس تجاري، وقد انزعج كثيرا حين غنى بوب ديلان في مهرجان نيوبورت 1965 أغنية الروك (مثل حجر متدحرج). كتب في العام 1967 اغنيته المناهضة لحرب فيتنام (غاطس حد الخصر في الوحل الكبير) التي منعت في التلفزيون. بدأ عند نهاية الستينيات مشرو?ا مساندا للحفاظ على البيئة.

في سنوات الثمانينات والتسعينات استمر بعطائه خصوصا مع آرلوغوتري ابن صديقه ورفيقه وودي غوثري الذي توفي سنة 1967. حاز في العام 1993 جائزة (غرامي) لأول مرة وثانية في 1997، وقد غنى لأوباما سنة 1997 عند ترشيحه للرئاسة، وأعاد غناء (هذه الأرض أرضك) التي غناها سنة 1940 التي ألفها وودي غوثري ردا على اغنية مشهورة آنذاك هي (يبارك الله أميركا) التي كتبها إرفنغبيرلين (10).

لقد حصل سيغر متأخرا على جوائز وتكريم كان يستحقها، وأكثر منها، منذ زمن طويل، ولكن التزامه السياسي شكل جزءا لا يتجزأ من فنه وقد حورب طويلا، وكان عنيدا الى درجة يتحدى فيها الحكومة الأميركية والمشاعر المعادية للنظام الكوبي فيقبل وساما من فيدل كاسترو حتى عدّه الكثير معاديا لأميركا، ومع ذلك، فالجميع، يتفقون على أنه يستحق الاحترام سواء لمواقفه المبدئية أو لدوره الريادي في تطوير البحث في الأغنية والموسيقى الشعبيتين أو لكونه مغنيا رائعا لا نظير له، أو لكل هذه الأسباب.

ملاحظة: التفاصيل والأغاني التي ذكرناها في هذا المقال هي على سبيل المثال لا الحصر والمصادر الآتية وهي جزء يسير من المصادر المتعلقة بالموضوع وقد اعتمدنا عليها في كتابة المقال:

Biographical Dictionary of the Left, Volume 1, 1972(1)

Newsweek September 25, 1967 (2)

TIME, June 16, 1941,  june records (3)

Daily Worker, March 24, 1941(4)

AMERICA IS IN THEIR SONGS by George Lewis

Folk Scene, April 1972 (5

Charles Seeger by Jim Capaldi

Early American Life, December 1972 (6)

TIME,April 15, 1946 Hootenanny(7)

Folk Scene, may 1979, by jimcabaldy(8)

Newsweek,November24,1969(9)

Le Monde.fr 29.01.2014 Mort de Pete Seeger, passeur et militant du folk(10) amricain

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في الذكرى

 

مئوية الحبوبي

محمد سعيد الحبوبي، فقيه أديب شاعر ومناضل، ولد في النجف عام 1849، درس القرآن والعربية والأدب والفقه والأصول. كما صاحب المجدد جمال الدين الأفغاني لأربع سنوات فى دراساته، وكانا زميلين لدرس واحد، وكان بينهما تأثر وتأثير ولقاء في المبادئ الإصلاحية. اشترك في مقاومة الانكليز وقاد جيشا من المتطوعين عام 1914 وكان دوره كبيرا مع مهدي الحيدري والخالصي وغيرهم.

ويقول السيد محمد الرفاعي في مجلة سطور: ما تميز به الحبوبي وشهّره أيضا هو شعره الرائع حيث كان موهوبا مبدعا يخلط الفكرة بالإحساس والصورة والتجربة مع الخيال الموسيقى والوجدان فى تكوين عمل أدبي متناسق شامخ فصار من فحوله وأعلامه مازجا ألوانه وأشكاله وهو يحيي موشحاته بين القديم والحديث ويعيد عذوبة القديم وصفائه وخياله على جديده وإبداعه ورنينه لتكوين موسيقى تنسق بين اللفظ والمعنى مضيفا حرارة العاطفة وقوة العقل وسمو المعاني مرتفعا به عن ذل السؤال وابتذال التملق لـ (يوافق ذوق كل عصر ويلائم روح كل زمان) ديوان الحلى ?لصفحة 387.

ويعد صاحب مدرسة خاصة كما وصفه الجواهري (السيد الحبوبى كان اسمه يرج المجالس والنوادي وهو اول من جدد الشعر القديم ورققه ثم سلمه إلى الطبقة التي بعده من شعراء عصر النهضة وفي الحقيقة هو صاحب المدرسة الوحيدة التي نشأت عليها وهي امتداد للتراث القديم وتخرج منها الكثيرون) .وقد تأثر الحبوبي بشعراء كثيرين أهمهم الشريف الرضي وتلميذه مهيار الديلمي حيث حفظ أشعاره وحاكى بعضها وصاغها بطريقته.

طبع ديوانه الأول عام 1912 ببيروت - المطبعة الأهلية وفيه مقدمة رائعة للجواهرى قائلا أنه جامعه بقوله لم يبق بيت أو قافية لم يعثر عليها حتى جمعها كما كان لمحمد حسين كاشف الغطاء دور في مراجعته، وينقصه الكثير من قصائد الحبوبي التي جمعها لاحقا حيدر الحلي في كتابه (العقد المفصل) وكانت الطبعة الثانية ببغداد عام 1980 وهو يضم 44 قصيدة ومقطوعة.

كان بديعا بارعا في قصائده التي هي أقرب لموشحات الأندلس منها إلى الشعر العمودي، ومن رائع شعره وشفيفه:

يا غزال الكرخ وا وجدي عليك

كاد سرى فيك أن ينتهكا

هذه الصهباء والكأس لديك

وغرامي في هواك احتنكا

فاسقني كأسا وخذ كأسا إليك

فلذيذ العيش أن نشتركا

.....

أترع الأقداح راحا قرقفا

واسقني واشرب أو اشرب واسقني

ولماك العذب أحلى مشرفا

من دم الكرم وماء المزن

وحميا الكاس لما صفقت

أخذت تجلي عروسا بيديه

خلتها في ثغره قد عتقت

زمنا واعتصرت من وجنتيه

من بروق بالثنايا ائتلقت

في عقيق الجزع أعني شفتيه

كشفت ستر الدجى فانكشفا

وانجلى الأفق بصبح بيّن

أكسبتنا إذ سقتنا نطفا

خفة الطبع وثقل الألسن

عاش الحبوبي ثلاث مراحل فى حياته: الأولى طالبا متعلما ثم شاعرا مبدعا ثم فقيها مجددا ليختمها بجهاده ضد الاستعمار الإنكليزي ومرض فمات في منتصف حزيران 1915 وهي مسك الختام.