install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

الاقتصاد العراقي وهيكله المشوّه، كيف السبيل لإعادة بنائه؟

دور الحكومة والقطاعين، العام والخاص، ومشاريع الخصخصة المطروحة

 

 

د. كامل العضاض

الدكتور كامل العضاض إقتصادي حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد القياسي من جامعة ويلز البريطانية عام 1974، وله العديد من الدراسات والبحوث والاستشارات إلاقتصادية. كما عمل د.العضاض ولسنوات مستشارا إقليميا في الأمم المتحدة في الحسابات القومية والإحصاءات الاقتصادية.

تقديم موجز:

تهدف هذه الورقة الى تقديم تحليل وصفي مكثف لهيكلية الاقتصاد العراقي التي ازدادت تشوّها بعد اكتشاف النفط، فبدلا من أن تساعد العائدات من العملات الصعبة التي ترتبت على تصدير النفط الخام في تصحيح التشوّه في هذه الهيكلية، سنلاحظ؛

- أن السياسات النفطية عمَّقت الحالة الريعية في الاقتصاد العراقي.

- وأن السياسات التنموية لم تفلح في تنويعه من أجل الإنعتاق من الحالة الريعية القامعة لنشوء تنمية مستدامة التي يعيقها الارتهان الى إقتصاد أحادي النشاط ويخضع لإملاءات التجارة الخارجية.

وعليه ستناقش هذه الورقة مضامين هذه الحالة على وفق المحاور الآتية:

1. خلفية عامة حول الاقتصاد العراقي وتوصيف لتطور هيكليته، وما آل إليه في الحقبة الراهنة.

2. تشخيص السمات الأساسية للحالة الريعية للاقتصاد العراقي.

3. تقديم نقد موجز ومكثف للسياسات النفطية المتبعة من قبل الحكومات والأنظمة الحاكمة، وخصوصا بعد العام 2003.

4. طرح تصوّر تنموي إستراتيجي يهدف الى تحقيق تنمية مستدامة لتخطي العوائق التي تفرزها الحالة الريعية.

5. بحث الحلول الممكنة للخروج من المأزق الريعي، حيث يستدعي الأمر توفر رؤية إستراتيجية، كما يتطلب تأشير طبيعة التغييرات المطلوبة لإخراج الاقتصاد من أحاديته وريعيته، مما يستدعي تفحص دور الدولة/ الحكومة والقطاع الخاص وما يُطرح اليوم من مشاريع لخصخصة مشاريع القطاع العام.

6. خلاصة مع بعض التوصيات المناسبة.

1. خلفية عامة حول الاقتصاد العراقي وتوصيف لتطور هيكليته، وما آل إليه في الحقبة الراهنة:

بدون الدخول في تفصيل الخلفية التاريخية لتطور الاقتصاد العراقي، نكتفي هنا بالقول بأن الاقتصاد العراقي، بعد تشكيل العراق، كدولة ذات سيادة بعيد الحرب العالمية الأولى، كان بالأساس:

اقتصاد زراعي، تُشكّل الزراعة عموده الفقري، وكانت بنيته الصناعية أولية وثانوية.

بينما كان  النسبة الأعظم من السكان، ما يزيد على 70 %  منه، تسكن في الريف، وكانت الزراعة تستوعب النسبة الأعظم من قوة العمل.

مع ذلك كان الإنتاج الزراعي يعاني من مشاكل كبيرة، منها تقنية، ومنها ما يتعلق بعلاقات الإنتاج، ومنها ما يتسبب بعوائق بيئية، لا مجال لتفصيلها هنا.

 وعلى الرغم من تدني الإنتاجية لضعف التقنية، فقد كان العراق يصدر الحبوب والتمور وبعض الحيوانات الحية ومنتجاتها، ويسد النسبة الأعظم من الإستهلاك السكاني.

وليس هنا المجال للخوض في دراسة القطاع الزراعي، ولكننا سنبين كيف تضاءل دور هذا النشاط المهم في توفير الغذاء للسكان، الذي كان ينمو بمعدلات تفوق 3 % سنويا، بينما لم ينمو الإنتاج الزراعي، وخصوصا بعد ستينات القرن الماضي، بأكثر من 1.5 % (1).

فقبل إكتشاف النفط الخام والبدء بتصديره في العام 1927، ولغاية منتصف الخمسينات من القرن الماضي، كان العراق يُعتبر بلدا زراعيا بصفة غالبة، إلا أن تخلف التقنية وسوء تنظيم علاقات الإنتاج الزراعي، مؤسسيا، وبسبب الهجرة المتصاعدة منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، من الريف الى المدن، وخصوصا الى العاصمة بغداد، حيث تتوفر فرص عمل في النشاطات الخدمية، وفي أجهزة الدولة، وخصوصا في الجيش والأمن وغير ذلك، كل هذه العوامل أدت الى تدهور هذا النشاط والى إنخفاض مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، كما سنبين لاحقا.

وبمقابل هذا التضاؤل في النشاط الزراعي، ارتفعت أهمية النشاطات الخدمية العامة، في أجهزة الحكومة العامة التي باتت تتوسع باطراد، بعدما أصبحت الدولة/ الحكومة تعتمد في موازنتها المالية المتصاعدة على عائدات تصدير النفط الخام الريعية، ولم تعد جباية الضرائب تشكل مصدرا مهما لتمويل تلك الموازنة.

لننظر الى مضامين الجدول - 1 - أدناه لرصد التطور في التوزيع النسبي للعمالة ما بين العامين 1997 و2011:

ويلاحظ من الجدول في أعلاه:

- انخفاض نسبة الاستخدام في القطاع الزراعي، وتصاعده بشكل ملحوظ في قطاع الخدمات الحكومية العامة، مع إرتفاع أقل في نشاط الخدمات الشخصية، وإنخفاض طال بقية النشاطات، كالنقل والتجارة والإسكان والمال والعقارات والبناء والتشييد والكهرباء والماء، ولكن بدرجات متفاوتة. 

- انخفاض نسبة المشتغلين في صناعة النفط الاستخراجية والصناعات التحويلية المحلية. 

- أما نسبة العاطلين عن العمل، فقد تضاعفت، وأضحت تشكل 23 % من مجموع قوة العمل المتاحة في العام 2011. 

- وستكون صورة التشوّه في هيكلية الاقتصاد العراقي وزيادة إعتماده على قطاع أحادي، هو تصدير النفط الخام، أكثر وضوحا من خلال استقراء جدول مقارنة لمساهمات أهم النشاطات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي.

- أما لو نظرنا الى التغيّر الهيكلي لمساهمات النشاطات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، استنادا الى بيانات رسمية، أحدث نسبيا، فسنجد الصورة الاتية، كما يعكسها الجدول أدناه (جدول رقم 2):

وفقا للجدول في أعلاه، ثمة ملاحظات واضحة يمكن تسجيلها:

- مقارنةً بالعام 2003، انخفضت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 50 % في العام 2008، ثم إنخفضت الى 4 % في العام 2012، وإرتفعت قليلا الى 4.8 % في العام 2013، بما يُشكل انتكاسا كبيرا جدا في الإنتاج الزراعي، والذي يشكل المصدر الغذائي الأساسي للشعب العراقي.

- يلاحظ أن قطاع التعدين الذي يمثل إستخراج النفط الخام قوامه الأساسي، حوالي 50 % من الإنتاج المحلي الإجمالي، كمعدل خلال سنوات المقارنة الأربعة، بما يجعله الثقل الأعظم في الناتج المحلي الإجمالي، إذ يشكل نصف قيمته تقريبا.

- كما يُلاحظ أن الخدمات الحكومية، ضمن قطاع الخدمات العامة والشخصية، قد ارتفعت مساهمتها الى ما يزيد على 18 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008، وانخفضت قليلا الى حوالي 17 % تقريبا في العام 2013.

- إن نشاط الصناعة التحويلية قد تدهور بالفعل من 4.3 % في العام 2003 الى مجرد 2.4 % في العام 2013. مما يعكس تدهورا وتشوّها في الإنتاج غير النفطي.

أما بقية النشاطات فإن نسبها متدنية جدا، ولا تسد إلا نسبة متواضعة من الحاجات الاستهلاكية في السوق المحلية.

- ثم أن تركيبة الاقتصاد العراقي وهيكليته، على وفق الصورة المعروضة في أعلاه، تعكس إتكالية عالية، لكسب العملات الصعبة، على قطاع تصدير النفط الخام الذي تتحكم التجارة العالمية بأسعاره التصديرية. ولأن الإنتاج المحلي لا يسد الاستهلاك المحلي، فلا بد من فتح بوابة الاستيراد من الخارج على مصراعيها. وهكذا صار الشعب يسدد فاتورة طعامه وحاجاته الأخرى من عوائد تصدير النفط. وأضحت هذه العوائد تشكل أكثر من 90 % من موارد موازنة الدولة المالية! وعلى ذلك توطدت السمات الريعية في الاقتصاد العراقي، بغياب وجود إستراتيجيات فعالة لت?جيه نسب متزايدة من العوائد النفطية للاستثمار في النشاطات السلعية غير النفطية، كالزراعة والصناعة والكهرباء والماء، وغيرها (2).

فما هي، باختصار، هذه السمات الريعية؟

2 . السمات الأساسية للحالة الريعية في الاقتصاد العراقي، وتداعياتها على هيكلية الاقتصاد العراقي المشوّه حاليا:

من الناحية النظرية يتمثل الريع بالميزة الاقتصادية التي يتمتع بها مورد معين، مثل موقع أرض زراعية أو عقار أو منطقة، أو بسبب المنفعة الاقتصادية التي يمتلكها مورد طبيعي نادر أو غير قابل للتجديد، مثل النفط أو الغاز أو المعادن النفيسة الأخرى.  والريع، وفقا لنظرية ريكاردو (3)، هو الدخل الذي تحققه الأرض الزراعية الحدية، نظرا لما تتمتع به من خصوبة، فهذا الريع هو دخل المالك المتحقق من ميزة الأرض التي يملكها. وبدون الدخول في مجال التنظير، فالريع، هنا، يتحقق من بيع النفط الخام الذي خلقته جهود الطبيعة وليس الإنسان الذي?يستثمر ما يكفي لإستخراجه وإستغلاله. وحينما يصبح هذا الريع عائدا ماليا ضخما للمالك، كما في حالتنا، (الحكومة العراقية)، تترتب عليه نتائج تنموية إيجابية و/او سلبية، إعتمادا على السياسات التنموية التي تتبعها الحكومة.

وبدون الدخول في عرض تطورات نشوء صناعة إستخراج النفط في العراق والسياسات الحكومية التي رافقتها، سنعدد، بإيجاز ايضا، اهم السمات الأساسية للحالة الريعية التي نشأت في الاقتصاد العراقي.

تتسم الحالة الريعية بعدد من السمات، وذلك عندما تغيب السياسات النفطية المناسبة لتطويعها لصالح تحقيق تنمية مستدامة، أي لصالح الأجيال القادمة، بعد نفاد النفط.

أ- إن الاقتصاد العراقي أصبح معتمدا اعتمادا شبه كلي على عوائد النفط الريعية، ومن دونها تتوقف أو تنشل حركة النشاط الاقتصادي في البلاد؛ إذ لا يتوفر نشاط اقتصادي محلي آخر يمكن أن يضاهي نشاط تصدير النفط بمقدار عوائده.

ب- إن القطاع النفطي لا يستخدم عمالة مكثفة، نظرا لأن صناعة استخراج النفط الخام هي صناعة كثيفة التكنولوجيا، مما يترك الأغلبية الكبرى من العاملين تبحث عن قوتها في النشاطات الاقتصادية الأخرى المنخفضة الإنتاجية والأجر (4).

ج- أضحت الحكومة العراقية حاصلة، من خلال تصدير النفط الخام، على عوائد مالية كبيرة، بما يجعلها في غنى عن فرض رسوم وضرائب على الشعب من أجل إيجاد موارد لتمويلها.

د- إن العوامل في أعلاه تجعل الحكومة منساقة الى تبني عقلية ريعية، فتصبح تسلطية، ولا تشعر بحاجتها للحصول على رضى الناس، فتتفرد بالسلطة وتنحدر نحو الديكتاتورية، وقد لا يهمها تثبيت نظام ديمقراطي تعددي، يتم من خلاله تداول السلطة (5).

وتترافق مع ظاهرة الحالة الريعية، ظاهرة المرض الهولندي، وخلاصتها أن إرتفاع عائدات الدولة الريعية سيؤدي ـ في ظل غياب سياسات مالية مناسبة ـ الى ارتفاع سعر صرف عملتها الوطنية، وهذا ما يؤدي، غالبا، الى ارتفاع أسعار صادراتها غير النفطية، الصناعية مثلا، في السوق الدولية.  وبالتالي، سيؤثر الأمر في تنافسيتها، وربما يفضي الى تكسيد بضائعها المصدرة؛ وبذلك يتعثر نموها الصناعي غير النفطي (6).

إن آثار الحالة الريعية وما يرافقها من عوامل، مثل المرض الهولندي، وتعاظم تسلط الحكومة وجنوحها الى الدكتاتورية والهدر، وتوجيه الموارد الريعية، للاستهلاك النهائي والتبذير، ولبناء الأجهزة القمعية ولشراء الولاءات السياسية، وربما لتسهيل الفساد أو التستر عليه، هي آثار مشهودة في الكثير من الدول النفطية.  وما نلاحظه في العراق هو ليس فقط وجود وقع لهذه الآثار، إنما أيضا، غياب لرؤية إستراتيجية للخروج من الحالة الريعية، وذلك ينعكس في نوعية السياسات النفطية التي تتبعها الحكومة، وفي طبيعة الخطط والإجراءات الواردة في بر?مجها المنفذة (7).

وقبل الانتقال لمناقشة السياسات النفطية المتبعة في العراق نرى مناسبا أن نوجز منظورنا الاقتصادي للآثار التعويقية التي تفرزها الحالة الريعية في العراق.

أ- التحول نحو الاستهلاكية؛ إن توفر عوائد كبيرة وسهلة من خلال تصدير النفط الخام، يوفر الإمكانيات للحكومة للتغلب على عجز الإنتاج المحلي، الزراعي والصناعي، عن توفير الغذاء والدواء واللباس للناس، وذلك من خلال فتح أبواب الاستيراد على مصراعيه.

ب - كما ستفتح الأبواب أمام التجارة الخارجية وستسمح لتحويل العملات الصعبة لإشباع الحاجات الاستهلاكية والسياحية وغيرها. وبهذا سيقل الحافز لدى الحكومة بتوجيه الاستثمارات نحو تطوير النشاطين الزراعي والصناعي في العراق. 

ج- في هذه الحالة لدينا فائض اقتصادي نفطي آيل الى النضوب، يقتضي الرشاد، كما تقتضي العقلانية، بتوظيفه اليوم قبل غد للاستثمار في القطاعات غير النفطية، ولكن مثل هذا التبصر بدى مفقودا.

د- ولمعالجة إغواء المداخيل الريعية، يتوجب النظر في مخاطر الانسياق نحو الدكتاتورية، ولتعزيز النظم الرقابية لرصد الفساد وعدم الكفاءة.

ه- إن النظام الريعي يضع الاقتصاد الوطني تحت تأثيرات التجارة الدولية السلبية دائما.  فبدون تنويع في إنتاج الاقتصاد الوطني، فإنه سيبقى عرضة ليس فقط لتقلبات الأسعار والعملات، وإنما أيضا لضياع الفرص لتنويع صادرته الوطنية، كوسيلة لتجنب الإعتماد على تصدير مادة واحدة هي النفط. وفي هذا السبيل ينبغي إرساء السياسات المالية والتجارية والاستثمارية المناسبة لهذا الغرض.   

وللإيجاز، سنشير في القسم - 3 - في أدناه الى أهم المآخذ  على السياسات النفطية المتبعة، وخصوصا بعد العام 2003. وعليه، سنتجاوز هنا، في هذا العرض، مناقشة أو نقد السياسات النفطية السابقة للعام 2003، إلا انه تجدر الإشارة الى أنه ارتُكبت في عهد نظام صدام حسين اخطاءٌ قاتلة في تضييع فرصة إستثمار الفوائض النفطية، وخصوصا بعد تأميم صناعة استخراج النفط وانتزاعها من يد الشركات الأجنبية الاستغلالية المسيطرة عليها لما يقرب من نصف قرن من الزمن؛ بدلا من ذلك زُجت البلاد في حرب رعناء مع إيران استمرت لثماني سنوات، فضاعت موارد ?ائلة، وخصوصا بعد غزو الكويت.

3. نقد موجز  للسياسات النفطية بعد العام 2003:       

مرّت السياسات النفطية بعدة مراحل، ولكن اكثرها عقلانية تلك التي اعتمدت في العهد الملكي، قبل سقوطه في العام 1958، فقد خصصت الحكومة، حينذاك، 70 %، ثم خُفضت الى 50 % من عائدات النفط لتنمية الإنتاج الزراعي وللارتقاء به وبالبنى التحتية والسدود والري وما شابه.

كما جرت محاولات في بداية العهد الجمهوري بقيادة الزعيم قاسم لانتزاع ما يزيد على 90 % من أراضي الامتيازات من يد الشركات النفطية، ولكن نظام قاسم أُطيح به، ثم تلاه نظام الأخوين عارف، فجرت محاولة للاستثمار المباشر من قبل الحكومة في حقول الأراضي المنتزعة من يد الشركات الأجنبية.

إلا أن حكومة البعث التي خلفت النظام العارفي بانقلاب مدبر، تقدمت خطوات لتأميم الشركات النفطية الأجنبية، إلا انها، للمأساة، زجت البلاد في حروب، ما تسبب في حصار دولي جائر لمدة 16 عاما، حصار شلّ أية محاولات لاستثمار العوائد النفطية، لاسيما أن إنتاج النفط جرى تقنينه مقابل الغذاء والدواء.

وبعد إسقاط نظام صدام دعا حاكم الاحتلال الأميركي (بول بريمر) الى تخصيص صناعة إستخراج النفط، ولكن دعوته لم تجد آذانا صاغية.

بيد ان الحكومات التي تلت في العهد الجديد اختارت نظاما لعقود فنية مع الشركات النفطية الأجنبية، بدلا من عقود مشاركات في الإنتاج، كما فعلت حكومة إقليم كردستان، بما ينافي نصوص الدستور العراقي القاضية بان النفط هو ثروة يملكها كل الشعب العراقي في جميع أنحاء العراق. كل هذه العوامل أبقت هيكل الإقتصاد مشوّها.

ونوجز في أدناه أهم الملاحظات النقدية حول عقود النفط الفنية المبرمة من قبل الحكومة العراقية خلال العامين 2009 و2010 مع الشركات النفطية:

- صحيح أن العقود مع الشركات هي لتقديم خدماتها الفنية مقابل أجر محدد، مقدما عن كل برميل نفط إضافي يتم إنتاجه.  وصحيح أيضا أن الأجر المتفق عليه منخفض، أقل من دولار واحد عن كل برميل إضافي، لكن مدة العقود قد تمتد لربع قرن من الزمن، ما يجعل قرارات الإنتاج لا تقع تحت سيطرة وسيادة الحكومة الفدرالية، ذلك لأن مصلحة الشركات توجب أن تواصل تصدير النفط لاسترداد أرباحها وتكاليف إستثماراتها، لاسيما وإن الشركات أقامت مجالس لإدارة الحقول النفطية، يشارك فيها ممثلون عن شركات النفط العراقية، في الشمال والوسط والجنوب، بنسبة 25 %، بما يجعل القرارات النافدة هي للشركات التي يشكل ممثلوها الأغلبية في تلك المجالس.

- ليس في العقود معايير واضحة لضمان مراقبة حسابات الشركات وتكاليفها.  ولا لمراقبة قيامها بنقل المعرفة الفنية والتدريب للفنيين والعاملين في الحقول من العراقيين، حسبما لاحظ الخبير النفطي حمزة الجواهري (8).

- حسب الاتفاقات العقدية سوف تستثمر الشركات ما بين 50 - 60 مليار دولار خلال عقد من الزمن، لتأهيل الآبار ولتطوير الإنتاج، وذلك مقابل فائدة تجارية زائدا 1 % فائدة لايبور.  والتساؤل هنا، إن هذه الاستثمارات ستكون بحدود 5 - 6 مليار دولار سنويا، فهل أن هذا المبلغ هو فوق قدرة الميزانية المالية للحكومة العراقية التي صارت تتجاوز، مؤخرا، المئة مليار دولار سنويا؟

- إن سطوة شركات النفط ستطال النفط الخام الذي ستنتجه الحقول المتعاقد عليها، والتي تمثل 85 % من مجموع النفط المنتج في العراق، وبعضها حقول عملاقة، مثل الرميلة ومجنون، وعلى مدى من الزمن قد يصل الى ربع قرن، مما سيؤدي الى تهميش شركات النفط العراقية، وشركة النفط الوطنية بالذات، وهي التي سبق أن لعبت أدوارا بارزة في المشاركة في استكشاف الحقول وتطوير الإنتاج، والمفروض أن يعاد تأسيسها بقانون يصدر عن مجلس النواب لتصبح فاعلا وطنيا في الإنتاج والتطوير النفطي، ولكن الانتظار قد طال.

- وهل تتوفر مخازن للفائض النفطي الذي قد لا يمكن تصريفه في الأسواق العالمية؟ 

- وماذا عن إمكانية إغراق سوق النفط بفائض قد يؤدي الى انهيار الأسعار في السوق الدولية؟ 

- وهل سيحافظ العراق على وحدة وإستراتيجية منظمة أوبك، للحفاظ على مستويات أسعار مناسبة للنفط في السوق العالمية؟

- توجب إستراتيجية التنمية المستدامة، أن يتركز الاهتمام على توسيع الطاقات الإنتاجية في القطاعات غير النفطية، كالزراعة والصناعة وبقية النشاطات الاقتصادية، وأن يجري تصنيع النفط، أي إستخدامه في الصناعات والنشاطات الإنتاجية ما دون الإستخراجية، او المسماة داون ستريم (downstream)، كصناعة المشتقات النفطية، والصناعات الكيماوية وصناعات الطاقة والنقل.  ولذلك يجب أن تكون هناك أولوية للطلب المحلي على النفط الخام، أي لتغذية طلب الصناعات المحلية المعتمدة عليه، ومن ثم تصدير الفائض.  بينما التزم العراق، بموجب عقود النفط مع?الشركات، بزيادة الإنتاج والتصدير لربع قرن قادم! فهل تشكل سياسة نفطية كهذه، رؤية استراتيجية لتحقيق تنمية مستدامة؟ وهل ستخرج العراق من فلك الريعية والحلقة الإستهلاكية والإتكالية على التجارة الدولية؟(9).

4. التصوّر الإستراتيجي التنموي المطلوب لإعادة هيكلية الاقتصاد العراقي:

ان التصور العقلاني الرشيد هو استغلال الموارد الطبيعية المتاحة والتي لها ميزة نسبية في السوق العالمية، كحالة النفط في العراق، من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة، من خلال توظيف الفوائض التي تدرها الصادرات النفطية من أجل تنمية وتطوير النشاطات الإنتاجية غير النفطية، كالزراعة والصناعة، وغيرها، ذلك لأنها صناعات مستديمة، اما صناعة استخراج النفط الخام فهي ناضبة، وربما خلال عقود قليلة، فضلا عن حالة عدم التيقن في ثبات الطلب العالمي على النفط الخام، بسبب احتمالات بروز بدائل للنفط، كمصدر للطاقة.  نوجز في أدناه، أهم مع?لم هذا التصور أو المدخل: 

من أجل تقليل الإعتماد على الصادرات النفطية وما تفرزه من ظاهرة ريعية، ينبغي إعتماد مدخل للتخطيط الإستراتيجي، حيث تُرسم أهداف لتوظيف نسب متزايدة من هذه العوائد في الإستثمار في النشاطات غير النفطية، وخصوصا صناعات داون ستريم والزراعة والصناعة التحويلية والنقل والمواصلات والبناء والتشييد والخدمات المواتية لزيادة الإنتاج غير النفطي.

العمل على مراقبة معدلات النمو في الإستهلاك النهائي، الشخصي والحكومي، ومحاولة دعم النمو في النشاطات الإنتاجية المحلية لسد نسب مهمة من الاستهلاك المحلي، عوضا من الإستيراد من الخارج.

وضع سياسات مالية ونقدية أو مصرفية للحيلولة دون إرتفاع سعر صرف العملة الوطنية، وذلك لتجنب آثار ما يسمى بالمرض الهولندي، حيث ينبغي زيادة عرض العملة المحلية في السوق العالمية، كلما مال سعر صرفها الى الارتفاع.

إعطاء الأولوية لسد طلب الصناعات المحلية، كصناعات داون ستريم والطاقة والنقل وغيرها، على النفط الخام، قبل تقرير حجم الصادرات من النفط الخام للعالم الخارجي.  بكلمة أخرى، يجب أن يُنظر للتصدير للخارج على إنه فقط للفائض من النفط الخام المنتج.  فالصين، على سبيل المثل، تنتج ما يزيد على 3.5 مليون برميل من النفط يوميا، ولكنها لا تصدر برميلا واحدا، بل بالعكس، فهي تستورد من النفط من العالم الخارجي بما يضاهي ويتفوق على إنتاجها المحلي منه.

تبني إستراتيجية تقوم على التوجّه تدريجيا الى تصنيع النفط الخام المنتج لا تصديره.  والمقصود بالتصنيع ليس فقط تحويله الى مشتقات، إنما أيضا استخدامه لزيادة الإنتاج في كافة النشاطات غير النفطية.

يجب أن يقوم التصور التنموي الإستراتيجي على ثلاثة عناصر، هي:

ا - تحقيق كفاءة اقتصادية في استغلال وتخصيص الموارد الاقتصادية؛

ب- وضع السياسات المناسبة، مالية ونقدية، لتجنب السقوط في مهاوي الريعية؛

ج- توظيف السياسات، قصيرة ومتوسطة المدى، من أجل تحقيق الهدف المنشود في المدى البعيد وهو تحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة المستقبل بعد نفاد مادة النفط في العراق.

د- ينبغي أن تسعى السياسات التنموية، ضمن أفقها الاستراتيجي ـ إن توفر هكذا أفق ـ الى تغيير تركيبة الاقتصاد العراقي أو هيكليته من حالته الريعية المشوهة حاليا، الى حالة التنوع والتوازن المطلوب لاستدامة التنمية، بعيدا عن حالة الريعية الأحادية.

سنوضح هذا الأمر في أدناه، بالمقارنة ما بين حالة الهيكلية الآن، وحالتها بعد إعادة تركيبتها، ولو بصورة افتراضية، خلال السنوات العشرة القادمة (انظر الجدول رقم (3) أدناه:

* نعتقد أن الوصول الى هذه النسب يتطلب استثمارات مالية وتكنولوجية كبيرة مع قدرات تنفيذية عالية، وقد تستغرق عملية إعادة الهيكلة هذه عقدا آخر من الزمن، إلا إذا توفرت قدرات إدارية عالية الكفاءة، مع تحقيق استقرار أمني ونظام سياسي ديمقراطي كفوء ومقتدر، ليتمكن من اختزال الزمن، وهذا بافتراض أن أسعار النفط سوف لا تنتكس بصورة كبيرة خلال السنوات القادمة.

ويلاحظ من العمود الثاني في الجدول أعلاه، بأن القطاعات السلعية، بضمنها استخراج النفط، قد قُدرت، بموجب الافتراض المطروح من وجهة نظر تنويع النشاطات، بعيدا عن تركزها في قطاع استخراج النفط الآيل للنضوب، لتشكل 63 % من الناتج المحلي الإجمالي في سنة الهدف، 2023، ولكن بتغيير لنسب مساهمات مكونات هذه القطاعات، فقد رُفعت الزراعة الى نسبة 15 %، وخُفضت نسبة مساهمات استخراج النفط الى 19 %، ورفُعت نسب مساهمات الصناعة التحويلية والماء والكهرباء والتشييد والبناء الى 12 % و 6 % و 10 % على التوالي، أي أن القطاعات السلعية غير النفطية أضحت تشكل نسبة 44 %.  بينما شكل استخراج النفط، 19 % فقط من الإنتاج السلعي الكلي.  كما يُلاحظ بأن النسب المقترحة لبقية القطاعات موزعة بصورة متوازنة تقريبا، ما عدا تخفيض طفيف في نشاط ملكية دور السكن، وتخفيض نسبي في نسبة مساهمة خدمات الحكومة العامة.

5. التغييرات الهيكلية المطلوبة، على وفق خطط وسياسات تنموية واقتصادية ومالية وتنظيمية وإدارية:

أولا، دور الدولة أو الحكومة في تحقيق هذه التغييرات:

في ضوء العرض المفصل أعلاه، تبدو الصورة واضحة من حيث ضرورة توفر رؤية إستراتيجية تنموية لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، بهدف جعله قابلا للتنوع والاستدامة ومتخلصا من الأحادية الريعية، أي بتقليل الاعتماد الأساسي على قطاع استخراج وتصدير النفط العراقي. وهنا يبرز دور الدولة/ الحكومة، كلاعب أساسي بيدها كامل العوائد النفطية، ولديها الأجهزة والوزارات الفنية، كوزارة التخطيط وغيرها وهيئات ومؤسسات معنية بالتنمية، فلا بد من وضع الخطط التنموية متوسطة الأجل لهذا الغرض، وتنفيذها على وفق سياسات مالية ونقدية متسقة مع الأهداف ?لأساسية للتنمية المستدامة، كما جرى توصيفها آنفا.

ونوجز هنا دور الحكومة/ الدولة؛

وضعت الحكومة بعد العام 2003، ثلاث خطط تنموية:

الأولى، هي خطة التنمية للسنوات 2010 - 2014.

والثانية، هي خطة التنمية الوطنية للسنوات 2013 - 2017.

والثالثة، هي خطة استراتيجية للطاقة في العراق للسنوات 2014 - 2030. 

وليس هنا مجال لدراسة هذه الخطط أو تقويمها، فقد سبق لنا الكتابة عن خطة التنمية الوطنية للأعوام 2013 - 2017، (10)، ولكننا نود الإشارة الى الدور الحكومي في مجال التخطيط لإستثمار عوائد تصدير النفط المتبقية بعد سد متطلبات الإنفاق الحكومي الجاري والاستهلاكي.

أ- لقد تضمنت خطة التنمية الوطنية الأحداث المشار إليها، تقديرات إستثمارية بمقدار 282 مليار دولار لمشاريع الاستثمارات، خلال خمس سنوات، اي بمعدل 56 مليار سنويا، بيد أن تدني كفاءة التنفيذ، ناهيك عن خطل إفتراض هذه الخطة بتخصيص ربع هذه التخصيصات، أي 75 مليار دولار خلال خمس سنوات، كتوقعات لمساهمات القطاع الخاص، وهو أمر لم يتحقق منه شيء مهم بهذا الخصوص.

ب- كيف يمكن توقع قيام القطاع الخاص في العراق بإستثمار ما يقرب من 15 مليار دولار سنويا لمدة خمس سنوات؟ ومعلوم أن هذا القطاع لا تتوفر له هكذا ملاءة مالية، وأنه يميل الى الاستثمارات في النشاطات ذات المردود السريع، كالتجارة والاستيراد والخدمات وما شابه.

ج- أما القطاع الخاص الأجنبي فهو لا يغامر في الإستثمار في العراق، بسبب المخاطر الأمنية والسياسية، ولعدم وجود ضمانات قانونية كافية.

د-  فضلا عن ذلك، فقد تبنت هذه الخطة أهدافا لنمو القطاعات الاقتصادية بتركيز النمو في قطاع استخراج النفط الخام وتصديره على حساب القطاعات غير النفطية، وخصوصا منها السلعية، حيث وضعت لنمو الأول بنسبة 18.7 %، بينما وضعت لكافة القطاعات الأخرى معدلا للنمو مقداره 7.5 % فقط، مما يعزز النمو الريعي ويخفق في تحقيق تنوع وتوازن في نمو كافة القطاعات الاقتصادية، (أنظر دراستنا النقدية لخطة التنمية الوطنية للأعوام 2013 - 2017).

ه- وبعد مضي ما يزيد على سنتين من دخول الخطة حيز التنفيذ، لم يتم استكمال أي من مشاريعها المهمة، بل أن نسبة التنفيذ بحد ذاتها لم ترتق الى أعلى من 20 % من قيمة المشاريع المنفذة والتي كانت تحت التنفيذ منذ أعوام الخطة السابقة للأعوام 2010 - 2014 والتي صُرف النظر عنها ليس فقط لصعوبات تنفيذية، وإنما لعدم واقعية إفتراضات تلك الخطة، ولغياب الكفاية في التنفيذ والمتابعة، فضلا عن تخفيض نسبة ما يخصص للاستثمار في موازنة الدولة من 36 % الى أقل من 20 %.

و- والأدهى من ذلك، هو أنه بعد الهجمة المتوحشة لعصابات داعش واحتلالها الموصل وثلاث محافظات أخري أقتضى الأمر توجيه كل الموارد المتاحة للحرب وللخلاص من الإحتلال الداعشي، ما أدى ليس فقط الى إيقاف تمويل المشاريع الاستثمارية، إنما أيضا الى الاضطرار لاستدانة أكثر من 12 مليار دولار حتى الآن عن طريق إصدار سندات والاقتراض من مصادر محلية وأجنبية، كما أفصحت عنه مسودة الموازنة المالية للعام 2015، والتي أُقرت بكثير من التحفظات في مجلس النواب (11).

ثانيا، دور القطاع الخاص والخصخصة في مجال الاستثمار الإنمائي:

كان ولا يزال للقطاع الخاص دور مهم في المشاركة في النشاطات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة ونشاطات الصناعات الصغيرة والمتوسطة ذات الطبيعة الإنتاجية الاستهلاكية.

كما له مشاركات متزايدة في النشاطات التوزيعية، كالتجارة والنقل والخدمات المصرفية، حيث تشكل المصارف الخاصة منذ ما بعد العام 2003 نسبة متصاعدة، ولكنها مصارف تركز على تقديم الخدمات المصرفية التجارية قصيرة الأمد والمدرة للأرباح السريعة. وعليه فإن مصارف القطاع الخاص لم تلج مجال التمويل التنموي الأطول أمدا وربما الأكثر تعرضا لبعض المخاطر الاستثمارية. إن القطاع الخاص لا يشارك في صناعات كبيرة ومتقدمة تقنيا لأن إعادة رأسماله قد تستغرق وقتا أطول، فضلا عن تصوره عن إحتمال تحمل إستثماراته مخاطر كبيرة. وعليه، فالقطاع الخ?ص لا يغامر في الاستثمار في صناعات كبيرة، كصناعات الصلب والحديد والكيماويات وتجميع المعدات، وما يماثلها.

ثالثا، أما بشأن مشاريع الخصخصة المطروحة بالنسبة للصناعات الكبيرة التي يديرها القطاع العام، والتي تعاني مشاكل أداء وضعف الإنتاجية؛ فنحن نتبنى، في ضوء تشخيصنا دور القطاع الخاص العراقي غير المواتي للاستثمار في هكذا صناعات، ولإحجام القطاع الخاص الأجنبي عن الاستثمار في العراق، الرأي القائل بان خصخصة الصناعات الكبيرة في القطاع العام ليست حلا حقيقيا، إنما يكمن الحل في عدد من الخيارات، ونوجز منها ما يأتي:

أ‌- أن يصار الى تحويل بعض صناعات القطاع العام الخاسرة او المتلكئة أو المتوقفة الى شركات مختلطة يُسهم فيها القطاع الخاص بنسبة مهمة في رؤوس أموالها وفي تشغيلها وإدارتها.

ب‌-  أن تقوم الحكومة بتعيين هيئات من الخبراء لدراسة أسباب ومعيقات العمل في شركات القطاع العام الخاسرة، لتشخيص الأسباب ومعالجتها بشكل علمي وفعال، فهي قد تفتقد إداريين أكفياء، أو الى القدرة على منافسة المنتجات المستوردة المنافسة، او تعاني سوء إدارة العمليات الإنتاجية، او بسبب إحباط العاملين في خطوط الإنتاج في هذه الشركات، مما قد يعالج بطرح حلول لإشراك هؤلاء العاملين في ملكية الشركات التي يعملون بها، عن طريق تخصيص نسبة من الأسهم لهم، حسب مواقعهم الفنية ومسؤولياتهم الإنتاجية، مما يُشعرهم بأنهم يعملون من أجل نج?ح شركات يملكونها. او قد يُقترح وضع خطط لتحديد نسب من ارباح هذه الشركات لتوزيعها على العاملين، حسب مواقعهم الفنية ومسؤولياتهم الإنتاجية.

ج‌- أما بيع شركات القطاع العام، وخصوصا منها الصناعية التحويلية الى قطاع خاص، لا يملك الملاءة المالية أولا، ولا الخبرة الفنية ثانيا، ولا حصافة الانتظار لمدة من الزمن لإسترداد عوائد استثماراته ثالثا، فهو مشروع غير واقعي. ولا بد من القول، ختاما، بان موضوع الخصخصة يتطلب دراسة متأنية لتشخيص أسباب تلكؤ وفشل إدارة مشاريع القطاع العام، فالأمر يتطلب دراسة تمحيصية، وخصوصا في مشاريع الماء والكهرباء والغاز والصناعات التحويلية، وسنجد أن سوء التنظيم وانعدام الحوافز، وإهمال مشاركة العاملين في إدارة شركاتهم، وضعف تطوير ال?قنيات وأساليب العمل هي التي تحول دون نجاحها!

6. بعض التوصيات الأساسية:

1. توصي الدراسة بأهمية فرض السيادة المركزية للحكومة الفدرالية على إدارة وتخصيص الموارد النفطية، بل وعلى كل الموارد الطبيعية الأخرى في العراق، فإنها، بموجب الدستور، ملكا خالصا للشعب العراقي كله، وليس لمنطقة أو فئة أو شريحة من هذا الشعب. وهذا الأمر يقتضي أن تراجع الحكومة اتفاقياتها الواردة في عقود النفط التي وقعتها مع شركات النفط الأجنبية، ليس فقط لتقليص المدد الممنوحة لها لتقديم خدماتها الفنية، بل للنصّ على أن للحكومة العراقية القول الفصل في تقرير حجم الإنتاج والتصدير والتطوير لصناعة استخراج النفط، وربما أي?ا لتمتين ربطها بالصناعات المحلية، وخصوصا صناعات داون ستريم، والصناعات الأخرى غير النفطية، وإعطاء أولوية للطلب المحلي على النفط المنتج، ومن ثم تصدير الفائض فقط. وكذلك لدراسة مدى واقعية سقوف الإنتاج العالية لزيادة إنتاج النفط الى 12 مليون برميل خلال أقل من عقد من الزمان.

2. كما توصي الدراسة بوضع الخطط والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، على وفق استراتيجية عليا للتنمية المستدامة في الأمد البعيد، للخلاص من الآثار المعوّقة للحالة الريعية وما يصاحبها من مرض هولندي، ولتقليص هذه الآثار، تدريجيا، مع تنامي الصناعات المحلية غير النفطية.

3. أشارت الدراسة الى قانون النفط والغاز، ولم يتسع المجال لتشخيص كل فجواته، ولكن الحاجة الى هذا القانون تعتبر ملحة، على أن يعدّل على وفق مقتضيات إستراتيجية للتنمية المستدامة في العراق.

4. كما نبّهت الدراسة الى تهميش شركات النفط العراقية، وبالذات شركة النفط الوطنية، ذات الباع في عمليات استكشاف وتطوير صناعة استخراج النفط في العراق. فتوصي الدراسة بأهمية إصدار القانون المناسب لإعادة تشكيل وتفعيل هذه الشركة، كلاعب مهم في تطوير وتخطيط إنتاج النفط الخام في العراق، وفي التصرف به. كما يقتضي الأمر تفعيل دور شركات النفط العراقية الأخرى، في الشمال والوسط والجنوب.

5. العمل على تطوير الكوادر الفنية في شركات النفط الوطنية، والاستفادة الكاملة من خبرات الكوادر والخبراء العراقيين من الذين واكبوا تأسيس وتفعيل شركات النفط العراقية، وخصوصا منها شركة النفط الوطنية. كما لا بد من رفد شركة النفط الوطنية ووزارة النفط بكوادر وأخصائيين اقتصاديين، متمرسين في مجال الدراسات القياسية الكمية، ومن الذي يستطيعون إعداد التنبؤات العالية الدقة حول مستويات الطلب العالمي على النفط، واتجاهات أسعار البرميل الواحد من النفط الخام.

6. تبني منظور استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي؛ ينفذ عبر خطط تنموية مركزية وتوجيهية، مقترنة بسياسات مالية ونقدية مناسبة، بافتراض توفر الأجهزة المخططة والمنفذة الكفوءة، مع نظم للمتابعة والمراقبة الفعالة ضمن الآفاق الزمنية المحسوبة بحصافة.

7. وللخلاص من العقلية الريعية التي مدّت جذورها في تقاليد عمل كل الحكومات العراقية المتعاقبة، لا بدّ من:

- تشديد الحاجة الملحة لترصين النظام الديمقراطي ولتخليص العملية السياسية الحالية مما تعانيه من عدم الاستقرار والاحتراب والتناقض وتضييع الوقت الثمين في المهاترات.

- بل يجب العمل على إنشاء الإطار المؤسسي المناسب لضمان، ليس فقط حسن إستخدام الموارد النفطية، إنما لفرض رقابة شعبية مستقلة على كيفية تصرف الحكومة في العوائد النفطية. فالحاجة ماسّة الى مجلس أو مجالس لمناقشة السياسات النفطية وإقرارها، على غرار المجلس النفطي الأعلى، على أن لا يشكل بموجب معايير المحاصصة والطائفية والعرقية السائدة، إنما يرفد بذوي الخبرة والاختصاص، ومن ممثلي المحافظات والإقليم النفطية، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية والفئوية.

نيسان 2015

 

أهم المراجع:

1. Randy D Schnepf, Iraq Agriculture and Food Supply: Background and Issues (CRS Report for Congress, 2004), available on the Internet: http://microdata.worldbank.org/index.php/citations/3608

2. Kamil Al-Adhadh, Demand Analysis and Implications for Planning in Iraq, PhD Thesis, (Cardiff: University of Wales, 1977).

3. David Ricardo, On the Principles of Political Economy and Taxation (originally published in 1817, available on the Internet: http://socserv.mcmaster.ca/econ/ugcm/3ll3/ricardo/Principles.pdf).

4. Tariq Shafiq, Harnessing Iraq`s Oil Wealth, paper delivered at the Conference on Iraq Petroleum 2009: Opportunities and Investment, 7-8 December, 2009.

5. Hazem Beblawi and Giacomo Luciani, ed., (1987), The Rentier State (Beckenham, Kent: Croom Helm Ltd, 1987).

6. The Economist, The Dutch Disease, November 26, 1977, pp. 82-83.

7. Chakravarty, S., The logic of Investment Planning: Contribution to Economic Analysis (Amsterdam: North Holland Publishing Company, 1959).

8. Hamza Al-Jawahiri, A series of articles on the IOCs management performances in the various awarded oilfields in Iraq, published on various Websites: Alhewar, Akhbaar & Al-Jadidah, during April & May of 2011.

9. Kamil Al-Adhadh, Optimization of  Policies for the Management of the Production of Crude Oil Extraction Industry in Iraq, delivered at the International Conference on Oil and Gas Policies in Iraq, organized by The French Institute for Research, in cooperation with the Iraqi Center for Researches, February 2008.

10. د. كامل العضاض، خطة التنمية الوطنية في العراق، 2013 - 2017، ثانيةً - ملاحظات محددة: المنهجية والاتساق والتنفيذ والمتابعة، نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 13/5/ 2013.

11. د. كامل العضاض، الموازنة المالية الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015، ما لها وعليها، نقد تحليلي. نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين في 8 /1 /2015.

 

****************