install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

نظرة قانونية الى المحكمة الجنائية الدولية

زهير كاظم عبود

الاستاذ زهير كاظم عبود حاصل على البكالوريوس في القانون/ كلية القانون والسياسة - جامعة بغداد. عمل معاوناً قضائياً ومحققاً عدلياً ومحاميا. كما عمل قاضيا في مجلس القضاء العراقي الأعلى - بغداد.

بالنظر لازدياد الجرائم المرتكبة ضد الانسانية وجرائم الحرب وجرائم الابادة الجماعية التي تم ارتكابها بحق الإنسان، بالإضافة الى الانتهاكات المريرة لحقوق الانسان من قبل الحكام، ولعدم وجود نصوص قانونية في أغلب قوانين العقوبات لتعالج مثل تلك الجرائم، بالإضافة الى تمكن الفاعلين والمتهمين من الإفلات واللجوء الى دول أخرى يصعب معها القبض عليهم ومثولهم أمام العدالة، فتسنح الفرصة للجناة للتخلص من عقوباتهم في حال إدانتهم، لذا فقد أصبحت الحاجة ملحة لتشكيل كيان قانوني دولي يسد هذه الثغرة في البناء الجنائي العام. من هنا ت?اشدت المؤسسات والتجمعات والهيئات القانونية المختصة في العديد من الدول بمعالجة ذلك الجانب، ووضع حد فاصل لإخضاع المتهمين في مثل تلك الجرائم الى القضاء الجنائي الدولي، من خلال هيئة قضائية دولية ومستقلة تختص بالنظر في هذه الجرائم حصرا، فأصدرت هذه الدول في السابع عشر من شهر تموز العام 1998 ميثاقا يدعو لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وتم ذلك في ما عرف بـ (معاهدة روما)، وتضمن الميثاق أو المعاهدة تفصيلا. وخلال تلك الفترة وقعت على تلك الوثيقة (60) دولة، في حين امتنع عدد من الدول  عن التصويت، وعارضت فكرة انشاء تلك ?لمحكمة (7) دول. ثم توالت الدول بالتوقيع على معاهدة روما وتقديم الطلبات الرسمية للقبول كأعضاء في المعاهدة التي تقر وتؤسس المحكمة الجنائية  الدولية.

ما يلفت النظر هو تعدد الآراء والأفكار في الكتابات والتصريحات التي تطرح سواء من المهتمين في القضايا القانونية والسياسية العراقية أو من المختصين في قضايا القانون في العراق، وخصوصاً بعد انطلاق الأصوات التي تطالب برفع قضايا الانتهاكات الصارخة والجرائم البشعة التي ارتكبت بحق العراقيين من قبل عصابات داعش الإرهابية، والتي تتشكل من عناصر متطرفة وشريرة باعت عقولها وأجسادها وضمائرها للشر ووظفت قدراتها للجريمة. ومن بين المطالبات العراقية الشعبية أن يتم رفع القضايا الخاصة بتلك الجرائم  الى المحاكم والمحافل الدولية، مم? يتطلب اولاً أن نستعرض خلفية  وظروف انشاء وتشكيل المحكمة الجنائية الدولية للفائدة.

من المصادفات اللافتة للنظر أن تكون الولايات المتحدة والعراق منذ العهد الصدامي البائد، من بين الدول التي رفضت الإقرار والموافقة  والتوقيع على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، وبعد سقوط صدام، وبعد اشهر بادرت الحكومة المؤقتة بالانضمام والاعتراف بالمحكمة الجنائية الدولية، إلا انها تداركت ذلك الانضمام بسحبه  وإلغائه بعد يوم أو يومين، وأبقت العراق من بين الدول التي لم تقر بالمعاهدة.

 

خلفية وظروف انشاء وتشكيل المحكمة الجنائية الدولية

 

تطورت العلاقات الدولية تبعاً للتطور والتفاهم الإنساني والمصالح بين الدول، وبدأت الدول تهتم بالقوانين الدولية التي تنظم علاقاتها وتحكم معاهداتها واتفاقياتها الثنائية، او تركن الى التمسك بتطبيق المعاهدات المنعقدة بين دولتين او مجموعة من الدول، وبدأت تسعى حثيثاً الى مفاهيم متمدنة وأعراف تتناسب مع حقوق الإنسان وضمان كرامته وما يفرضه تطور العصر والعبور الى الألفية الثالثة وبما يضمن استمرار الحياة البشرية وحمايتها من الانتهاكات والمجازر والحروب والإبادة وحفظ كرامة الناس وحقوقها من التعسف والأفعال الجرمية، وبما ي?من حماية حقوق الانسان ويحميها بشكل عام، كبديل عن الحروب والمجازر والانتهاكات الإنسانية التي كانت تحكم العلاقات بين الدول. وبغية ايجاد سبل للعمل وفق صيغ قانونية متفق عليها، تنادت البشرية لتقنين الأسس العامة لحقوق الانسان في الحياة والذي شكلت العامل المشترك لدساتير جميع دول الأرض فخرجت البشرية بالتوقيع على ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

ومع أن الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في باريس في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) في العام 1948 يعد من أهم وأشمل التطورات القانونية الدولية في تلك المرحلة، على الرغم من عدم وجود صيغة الإلزام فيه عند صدوره، إلا انه أصبح مصدراً قانونياً ووثيقة مهمة من وثائق القانون الدولي التي اكتسبت قبولا واسعا وخطوة انسانية مهمة للاعتراف بكرامة الانسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة، وصار علامة من علامات التطور الحضاري ومقياس حضاري  للتمدن من خلال تمسك أو عدم تمسك الدول بنصوصه.

وتشكل اهمية الاعلان العالمي في تمسك اغلب الدول الاعضاء بما ورد فيه وتضمين النصوص القانونية الوطنية لهذه الدول بما ينسجم وفق ما جاء بالإعلان العالمي لحقوق الانسان.

ومن بين أهم ما جاء في الإعلان العالمي منع جرائم الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها والاقتصاص من مرتكبي جرائم الحروب والتحريض على الإبادة الجماعية والاشتراك فيها وعدم شمول هذه الجرائم بمبدأ التقادم المسقط للعقوبة بالإضافة الى شمول العقوبة لأي من الحكام المتمتعين بحصانتهم الدستورية والتي تغطي سلطتهم وأفعالهم الجرمية أو الموظفين العامين أو الأفراد.

ونصت المادة السادسة من الاتفاقية الخاصة على منع جرائم الإبادة الجماعية والمعاقب عليها، والتي اقرت وبدأ تنفيذها بتاريخ 12 كانون الثاني 1951 على ما يأتي:

يحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دولية تكون ذات اختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد أعترف بولايتها.

ومعروف أن لكل دولة الحق في محاكمة مواطنيها بسبب جرائم الحرب أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، إلا أن جرائم بعض الأفراد والهيئات تعدت النطاق الوطني لتصيب دول أخرى ومجاميع بشرية خارج نطاق عمل السلطات المحلية وسيادتها، وتتعاون الدول بعضها مع بعض على أساس ثنائي أو متعدد الأطراف بغية ايقاف الجرائم والحيلولة دون وقوعها، وتتم مؤازرة الدول وتكاتفها في تعقب وملاحقة واعتقال ومحاكمة الذين يشتبه بأنهم ارتكبوا مثل هذه الجرائم، وفي معاقبتهم بعد ادانتهم بالفعل.

وتطور التطبيق العملي لهذه النصوص منذ صدور (معاهدة فرساي)* مرورا بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في العام 1994، والتي منحت سلطة محاكمة الاشخاص الذين ارتكبوا او امروا بارتكاب انتهاكات جسيمة للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، المبرمة في 12 في آب 1949 لحماية ضحايا الحرب، وصولا الى حاجة المجتمع الانساني الى محكمة دائميه تقوم بتطبيق النصوص القانونية الواضحة، بناء على التحقيقات الجارية من قبل اللجان المختصة.

ويذكر الدكتور شريف بسيوني في كتابه: مدخل لدراسة القانون الانساني الدولي في الصفحة 127 : انه تم تشكيل خمس لجان تحقيق دولية منذ العام 1919 هي لجنة تحديد مسؤوليات مبتدئي الحرب وتنفيذ العقوبات ولجنة الامم المتحدة لجرائم الحرب ولجنة الشرق الاقصى ولجنة الخبراء الخاصة بيوغسلافيا السابقة 1992 ولجنة الخبراء الخاصة برواندا 1994، كما تشكلت اربع محاكم دولية خاصة هي المحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب على الساحة الاوربية 1945 والمحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب في الشرق الاقصى 1946، وثلاث ?حاكمات دولية منذ العام 1919 هي المحاكمات التي اجرتها المحكمة العليا الألمانية (1921 1923) والمحاكمات التي اجراها الحلفاء الاربعة الكبار على الساحة الاوربية (1946 1955) والمحاكمات التي اجرتها الدول المتحالفة في الشرق الاقصى بناء على توجيهات لجنة الشرق الأقصى.

وفي الفترة الممتدة من 1995 ولغاية 1998 كانت الدعوة والحاجة ملحة لإنشاء نظام قضائي دولي وتجسيد هذه الرغبة البشرية في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. وإزاء التطور السياسي العالمي تمت متابعة الاختصاص الجنائي الذي يعرقل عملية معاقبة مرتكبي جرائم الحروب والإبادة الجماعية والجرائم الأخرى ضد الجنس البشري من قبل المجموعة القانونية الدولية، حيث أن الاختصاص الشخصي والمكاني والموضوعي يتناقض مع مفهوم السيادة الوطنية لكل بلد، والتي تعتبر الكيان الوطني هو الملزم، وأن الالتزام ببنود ميثاق اللائحة هو الزام اخلاقي، حيث يرت? القانون الوطني اختصاصا شخصياً ومكانياً وموضوعياً بخصوص بحث الجريمة المرتكبة ضمن مواد قوانينه الجزائية (الجنائية)، وهذه القوانين لا يمكن تطبيقها بطبيعة الحال على مرتكبيها ممن لم يزل مسيطراً على السلطة وخصوصاً في الأنظمة الدكتاتورية أو غير الديمقراطية  وحتى  في الانظمة الديمقراطية المنحرفة.

وتأسيساً على المبادئ العامة لحقوق الإنسان ومن اجل ايجاد صيغة عالمية تحمي البشرية وتعاقب الجاني، لجأت المجموعات القانونية الدولية الى اجتماعات وندوات وتجمعات وتمخضت هذه الاجتماعات واللقاءات الى إقرار النظام الأساسي للمحكمة حيث اقرته الجمعية العامة الأمم المتحدة.

لقد تم التوصل الى هذه الصيغة الدولية بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية والموافقة على المشروع من قبل 60 دولة ابتداء  في حينها، في الوقت الذي ابدت الولايات المتحدة الاميركية تحفظها على الاتفاق الدولي، على اساس انه ينبغي ان تقوم الدولة المعنية بتسليم مواطنها المتهم بهذه الجرائم بموافقة مسبقة لتتم محاكمته امام المحكمة الجنائية الدولية، في حين وقعت الولايات المتحدة الأميركية بعدئذ على الاتفاقية بصيغتها النهائية قبل انتهاء الوقت المحدد في 21 تشرين الثاني 2000 اذ بلغت الدول الموقعة بالموافقة 139 دولة، في حين بقيت 5? دولة لم توقع عليها  من بينها العراق. 

إن الحاجة التي خلصت من المحاكمات الدولية السابقة والتجارب القضائية الدولية لكون هذه المحاكم كانت تتخصص في محاكمات ذات نزاعات خاصة، وأثارت تطبيقاتها القضائية تساؤلات جوهرية حول انطباق مبادئ الشرعية الدولية والعدالة، بالنظر لعدم وجود نصوص عقابية متفق عليها، هذا اضافة الى عدم الشعور بالمساواة في التعامل مع المتهمين من قبل بعض الدول ومن قبل النافذين سياسيا مما يخل بتوازن العدالة.

وقد اختصت المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة بالنظر في جرائم القتل العمد والتعذيب والممارسة اللاإنسانية، وإحداث المعاناة الشديدة او الحاق اذى خطير بالجسم او بالصحة، وإلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون ان تكون هناك ضرورة عسكرية لهذا الاستيلاء، ولأنه يشكل مخالفة للقانون بصورة عبثية، وإرغام اسرى الحرب وتعمد حرمانهم من حقوق المحاكمات العادلة والنظامية، والإبعاد والحبس غير المشروع واخذ المدنيين كرهائن. ويمكن أن يكون نفس الاختصاص الممنوح للمحكمة الدولية في رواندا.

وقد اوردت نفس الانتهاكات والجرائم ضمن نصوص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد بتاريخ 17 تموز 1998، وتوسعت في شمول الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة، وتعمد توجيه هجمات ضد موظفين مستخدمين أو ضد منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة المساعدات الإنسانية أو حفظ السلام، وكذلك تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو الحاق أضرار مدنية أو واسعة النطاق، ومهاجمة أو قصف المدن والقرى أو المساكن أو ?لمباني العزلاء التي لا تكون أهدافــاً عسكرية بأية وسيلة كانت، وقتل أو جرح مقاتل استسلم أو القى سلاحه، وتعمد توجيه هجمات ضد المباني الدينية او التعليمية او الفنية او العلمية او الاثار التاريخية والمستشفيات، وقتل الافراد او قوات الجيش المعادي غدرا، وتدمير الممتلكات وإلغاء حقوق الطرف الاخر واستخدام الغازات والسموم والاعتداء على الكرامة والاغتصاب وإساءة استعمال الهدنة وكافة الانتهاكات الخطرة التي اوردتها اتفاقية جنيف.

كما أن المحكمة الجنائية الدولية باقتران موافقة الدول الاعضاء تصبح امتدادا قانونياً تشير لها تلك الدول الاعضاء في دساتيرها وقوانينها،  مع انها ليست بديلاً عن القوانين الجنائية الوطنية، ولا تمس بأية صيغة كانت السيادة الوطنية، وتعمل على وفق القواعد والأصول المتفق عليها والتي لا تتعارض أو تتناقض بأي حال من الأحوال مع القوانين الوطنية، وبذلك تصبح المحكمة الجنائية الدولية تستمد سلطتها وشرعيتها من موافقة الدول الأعضاء الموقعين على نظامها الأساسي وتصبح هذه المحكمة جزءاً من نظامها الوطني.

وتعتمد المحكمة المذكورة في شرعيتها القانونية بالإضافة الى نظامها الأساسي والمعاهدة الموقعة بين أطرافها الدولية، فأنها تستند على المبادئ العامة للقانون الدولي، إضافة الى القوانين الوطنية للدول الموقعة عليها، وعلى السوابق القضائية في القرارات التي سبق أن اصدرتها هذه المحكمة.

والجدير بالذكر أن اعمالا تحضيرية ومفاوضات متكررة ورفيعة المستوى جرت للتوصل الى اعداد النظام الاساسي للمحكمة الدولية، استمرت لسنوات طويلة وبذلت فيها جهود عالية المستوى في الخبرة والمستوى القانونيين، وعارضت الولايات المتحدة العديد من اقتراحات المندوبين والوفود حتى تكلل الجهد الإنساني في مرحلته الأخيرة بإقرار مشروع النظام الأساسي الذي تضمن تعريف الجرائم واختصاص المحكمة واليات البدء والتكامل ودور الادعاء العام ومجلس الأمن وآلية التطبيق المحتمل للنصوص والأحكام الموضوعية للمحكمة.

ومن الجدير بالذكر أنه وفقاً لنص المادة (11) من النظام الأساسي للمحكمة فإنها تمارس عملها وصلاحياتها القضائية وفقاً للاختصاص الزمني اعتبارا من لحظة النفاذ. أي أن المحكمة تمارس اختصاصها في النظر بالأعمال والانتهاكات والجرائم المرتكبة بعد نفاذ نظامها الأساسي (في اليوم الأول من الشهر التالي وبمرور 60 يوماً على إيداع الوثيقة التي تم التصديق عليها لدى الأمين العام للأمم المتحدة)،  يعني هذا أن النفاذ في اليوم الأول من الشهر السابع (تموز) من العام 2002. وعلى الرغم من الخلل الذي ولده النص المذكور في إفلات العديد من ?لمتهمين والمجرمين من العقاب، إلا أن ذلك الأمر لا يلغي إمكانية معاقبة مرتكب هذه الافعال داخلياً، كما لا يلغي حق دولته وشعبه في طلب إحالته على هذه المحكمة من دولة طرف في النظام الأساسي، وكأن تكون المحكمة الوطنية، وهو ما حصل في العراق مؤخراً حين تمت إحالة قضايا المدان صدام وزمرته الى المحكمة الجنائية العراقية العليا، والتي اختصت بالنظر في الجرائم المرتكبة في العهد الصدامي البائد منذ 1968 وحتى 2003.

وتلتزم المحكمة الجنائية الدولية بالمبادئ العامة للقانون، إذ لا يمكن محاكمة المتهم مرتين عن نفس التهمة، ويعني هذا انه اذا حوكم المتهم أمام قانون بلاده، فلا يمكن للمحكمة الجنائية إعادة محاكمته مرة أخرى لعدم جواز المحاكمة مع عدم جواز تكرار فرض العقوبة.

إن الدافع الأساس لإنشاء مثل هذه المحاكم يكمن في بروز جرائم ومجازر وانتهاكات صارخة تستهين بحياة الانسان وتهدد الجنس البشري، يتم ارتكابها من قبل اشخاص يحتمون بأغطية السيادة والحصانة، وبغية ايجاد ضوابط وضمانات تلزم المجتمع البشري بعدم تمكن المجرم من الافلات من قبضة العدالة والعقاب بأية صفة كانت وعلى المستوى العالمي، مما يمكن ان يجعل ذلك دافعا أكيدا لانضمام بقية الدول الى الموافقة على هذه المحكمة التي سيكون مقرها مدينة (لاهاي) في هولندا. ويمكن تصور الدافع الذي فرض نفسه على الدول من خلال وقائع المجازر البشرية ا?مرتكبة والحروب البشعة والمروعة والسريعة والكارثية التي وقعت في العديد من بلدان العالم، ومن بين اهمها العراق في السنوات الأخيرة، اضافة الى التعدي الصارخ على حق الانسان في الحياة وحريته. على ان أمرا لم تتم معالجته ضمن نصوص نظام المحكمة، ولا في مؤتمر روما، وهي الصلاحيات المخولة الى (مجلس الامن) في ما يخص تعريف العدوان، ومن هي الجهة التي تقرر وقوعه. والأمر الثاني حول الصلاحية بإيقاف الاجراءات التي يتضمنها حق النقض (الفيتو) التي يملكها حصرا (مجلس الامن) متمثلا بأعضائه، والأمر يؤدي الى حدوث تداخل وسلطة تابعة، في?حين ان المنطق القانوني يقضي باستقلالية المحكمة عن اي جهة كانت، ما دامت تمثل هذا الاجماع والإلزام الدوليين، كما انها ايضا من يملك صلاحية التفسير والاجتهاد والتقرير.

ومع كل ما تقدم تبقى عملية قيام المحكمة مؤشرا قويا على ان البشرية تخطو خطوة جديدة على طريق اتخاذ اسس كفيلة باحترام حقوق الإنسان، وحماية البشرية من الانتهاكات وجرائم الحروب وجرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية.  ومن خلال ما تقدم نستطيع ان نتعرف الى مرجعية النظر في الشكاوى التي يمكن ان يقيمها الأفراد على الدول والجماعات للمطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية إن كان لها مقتضى.

إن في منظمة الأمم المتحدة محكمة تحت اسم (محكمة العدل الدولية) ومقرها في لاهاي بهولندا،  وهي تختلف عن (المحكمة الجنائية الدولية)، حيث أن القاعدة الأساسية التي تستند عليها المحكمة الجنائية الدولية هي أنها ليست جهازا من أجهزة الأمم المتحدة، وتتمتع بالاستقلالية المفترضة إلا انها مطبق أمين للقرارات الدولية، في حين أن محكمة العدل الدولية تعتبر من بين الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، وهذه القاعدة تشكل فرقا واضحا وكبيرا في التابعية والاختصاصات، حيث أن اختصاص محكمة العدل الدولية ينحصر في حل الخلافات بين الدول الأعضاء? في حين تكون سلطة الجنائية الدولية على مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحروب وجرائم الإبادة الجماعية.

 

اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية:

 

وفقا لنص المادة (10) من النظام الأساسي للمحكمة والخاصة بالقانون الواجب التطبيق، فإن الأمر يتطلب الانسجام والتطبيق الوارد في نص المادة (38) من نظام محكمة العدل الدولية وهي: 

1. المعاهدات الدولية العامة او الخاصة.

2. العرف الدولي.

3. القواعد العامة للقانون المعترف بها من قبل الامم المتحضرة.

4. الاحكام القضائية والدراسات القانونية المقبولة لدى الامم المتحدة كوسائل اعلان تحديد  قواعد القانون.  

يقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم دولية محددة بشكل دقيق وهي:

1. جريمة الابادة الجماعية.

2. جرائم الحرب.

3. الجرائم ضد الانسانية.

وجريمة الابادة الجماعية تعتبر من ابشع الجرائم المرتكبة بحق الإنسان، وتشمل جرائم القتل وإلحاق الضرر الجسدي والعقلي الجسيم والإخضاع عمدا لأحوال معيشية يقصد بها الإهلاك الجسدي كليا أو جزئيا، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب، ونقل الأطفال عنوة من الجماعة الى جماعة أخرى.

اما جرائم الحرب فهي تشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف 1949 في حال ارتكابها ضد الاشخاص الجرحى والمرضى وأفراد القوات المسلحة واسرى الحرب والمدنيين او على الممتلكات او اجراء التجارب الكيماوية بما فيها:

1 - القتل العمد.

2 - التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.

3 - القيام عمدا بإحداث معاناة شديدة أو إصابات خطرة بالجسم أو بالصحة.

4 - الحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون ضرورة عسكرية تبرر ذلك، وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.

5 - إرغام أي أسير حرب أو أي شخص مشمول بالحماية، على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية.

6 - تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية.

7 - الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع.

8 - أخذ الرهائن.

9 - تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم تلك وكذلك ضد الأفراد المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.

10 - تعمد توجيه هجمات ضد منشآت مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية.

11 - تعمد شن هجمات ضد موظفين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملا بميثاق الأمم المتحدة ويستحقون الحماية التي يتمتع بها المدنيون أو المواقع المدنية بموجب القانون الدولي للمنازعات المسلحـة.

12 - تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق ضرر بأهداف مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطاً واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.

13 - مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء والتي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.

14 - قتل أو جرح مقاتل ألقى سلاحه أو لم تعد لديه وسيلة للدفاع أو استسلم مختاراً.

15 - إساءة استعمال علم الهدنة أو علم العدو أو شارته العسكرية أو زيه العسكري أو علم الأمم المتحدة أو شاراتها وأزيائها وكذلك الشعارات المميزة لاتفاقيات جنيف ما يسفر عن قتل الأفراد أو إلحاق إصابات بالغة بهم.

16 - قيام الدولة القائمة بالاحتلال - على نحو مباشر أو غير مباشر - بنقل أجزاء من سكانها إلى الأرض التي تحتلها أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.

17 -  تعمد توجيه الهجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية أو المعالم التاريخية، أو المستشفيات أو أماكن تجمع المرضى والجرحى، شريطة ألا تكون تلك الأماكن مستخدمة آنذاك لأغراض عسكرية.

18 - إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة الطرف الخصم للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفى للشخص المعني والتي لا تجري لصالحه والتي تتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص أو في تعريض صحتهم للخطر.

19 - قتل أفراد منتمين إلى دولة معادية أو جيش معاد أو إصابتهم غدراً.

20 - اعلان انه لن يبقي أحدا على قيد الحياة.

21 - تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب.

22 - اعلان أن حقوق ودعاوى رعايا الطرف المعادي ملغاة أو معلقة أو غير مقبولة في أي محكمة.

23 - إجبار رعايا الطرف المعادي على الاشتراك في عمليات حربية موجهة ضد بلدهم حتى وإن كانوا قبل نشوب الحرب في خدمة الدولة المحاربة.

24 - نهب أي بلدة أو مكان حتى لو تم الاستيلاء عليه عنوة.

25 - استخدام السموم أو الأسلحة المسممة.

26 - استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة.

27 - استخدام الرصاصات التي تتمدد أو تتسطح بسهولة في الجسم البشري مثل الرصاصات ذات الأغلفة الصلبية التي لا تغطي كامل جسم الرصاصة أو الرصاصات المحززة الغلاف.

28 - استخدام الأسلحة أو القذائف أو المواد أو الأساليب التي تسبب بطبيعتها أضرارا زائدة أو آلاما لا لزوم لها، أو تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة، بشرط أن تكون هذه الأسلحة والقذائف والمواد والأساليب الحربية موضع حظر شامل، وان تدرج في مرفق لهذا النظام الأساسي، عن طريق تعديل يتفق والأحكام ذات الصلة الواردة في المادتين 121 و123 .

29 - الاعتداء على كرامة الشخص، وبخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.

30 - الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعرف في الفقرة 2 (و) من المادة 7، أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضا انتهاكا خطرا لاتفاقيات جنيف.

31 - استغلال وجود شخص مدني أو أشخاص آخرين متمتعين بحماية لإضفاء الحصانة من العمليات العسكرية على نقاط أو مناطق أو قوات عسكرية معينة.

32 - تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقا للقانون الدولي.

33 - تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الاغاثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.

34 - تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة الوطنية أو استخدامهم للمشاركة فعليا في الأعمال الحربية.

 

في حين تتشكل الجرائم ضد الإنسانية من الافعال الاتية:

 

- القتل العمد، جريمة الابادة الجماعية، الاسترقاق بما فيه الاتجار بالبشر خصوصا النساء والأطفال، إبعاد السكان او النقل القسري للسكان، التعذيب، السجن او الحرمان الشديد على اي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الاساسية للقانون الدولي، الاغتصاب او الاستعباد الجنسي او الاكراه على البغاء او اي شكل آخر من اشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة.

- اضطهاد اي جماعة محددة او مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية او عرقية او قومية او اثنية او ثقافية او دينية او متعلقة بنوع الجنس او لأسباب اخرى من المسلم عالميا بان القانون الدولي لا يجيزها.

- الاختفاء القسري للأشخاص، وجريمة الفصل العنصري، والأفعال اللاإنسانية الاخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة او في اذى خطر يلحق بالجسم او بالصحة البدنية او العقلية.

ونلاحظ هنا أن الجرائم ضد الإنسانية تشكل حيزا واسعا في شمولها توصيف أشكال الجرائم المرتكبة وبضمنها جريمة الإبادة الجماعية، وبذلك فهي تنطبق على جميع الجرائم المرتكبة من قبل التنظيمات الإرهابية بحق المواطنين العراقيين. 

* بحسب ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، فان معاهدة فرساي هي المعاهدة التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى، والتي تم التوقيع عليها بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى من جانب اتفاقيات منفصلة مع القوى المركزية الخاسرة في الحرب (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية وبلغاريا). تم توقيع الاتفاقيات في 28 حزيران 1919، ثم تم تعديل المعاهدة في ما بعد في 10 كانون الثاني 1920 لتتضمّن الاعتراف ?لألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة مالياً. وسمّيت بمعاهدة فرساي تيمناً بالمكان الجغرافي الذي تمّ فيه توقيع المعاهدة وهو قصر فرساي الفرنسي (المحرر).