install flash please

 بحث في الموقع

العدد 373 ايار 2015

 

 

من تراثنا الثوري

انتفاضة النجف المسلحة عام 1918*

 

بقلم : علي محمد النوري

خاض شعبنا العراقي، عشية الحرب العالمية الاولى، غمار النضال من اجل استقلاله السياسي الذي كان قد سلبه اياه احتلال السيطرة العثمانية، طوال قرون، انزل به آلام الجهل والنهب والاستغلال، ومنع تقدمه الاجتماعي، جاعلا من ارياف البلاد ومدنها مسرحا للتناحرات القبلية والطائفية والمذهبية، لاعاقة تطور وعي شعبنا القومي والوطني، ولاشغاله عن النضال ضد سيطرته البغيضة. 

وقد ارتبط نهوض شعبنا للنضال السياسي هذا، بتنامي وتطور حركة الانبعاث القومي العربية، وبنهضة حركة شعوب الشرق من اجل الاصلاح الديمقراطي، هذه النهضة السياسية التي جسدتها مجموعات من الثورات الديمقراطية التي غمرت هذه المنطقة خلال سني العقد الاول من القرن الحالي (المقصود القرن العشرين المحرر)، شملت روسيا وايران وتركيا والصين.

إن هذا الواقع، بالارتباط مع نشوب الحرب العالمية الاولى، وما اقترن بها من انهيار للأمبراطورية العثمانية، وتنافس الدول الاستعمارية على الظفر بممتلكات هذه الامبروطورية واقتسامها، طمعا في نهب ثرواتها وتحقيقا لاهدافها السياسية  في توسيع مستعمراتها، قد ادى بالوعي القومي والوطني الى التبلور في اهداف سياسية عامة، قومية ووطنية. وبدافع من توفر وتبلور هذا الوعي العام الذي اججه تطور الاحداث العاصفة بعد نشوب الحرب، فقد تصدرت العناصر والفئات الاكثر وعيا في بغداد وعدد من المدن ذات الاهمية الاجتماعية والدينية، العمل لتكتي? وتجميع القوى الناهضة للنضال آنذاك وتنظيم نشاطاتها وفعالياتها في منظمات سياسية، تبنت اهدافاً محددة وعامة للنضال ضد السيطرة الاجنبية، ومن اجل الاستقلال القومي والوطني. وقد جسد هذا التطور النسبي لوعي ونضال وتنظيم القوى المتميزة بالوعي السياسي، انبثاق بعض الاحزاب ذات الطابع القومي والوطني، على نطاق العراق كحزب (العهد)، وحزب (حرس الاستقلال)، وجمعية (تعالى كردستان). وعلى نطاق عدد من المدن المعروفة في ذلك العهد، نشأت حركة نهوض وطني تسعى لتعبئة وتنظيم الجماهير الشعبية وقيادتها للنضال من اجل اهدافها الوطنية والقوم?ة، امتداداً لتعمق الوعي الوطني، ولنشوء المنظمات السياسية السابقة الذكر.

وبسبب من انتهاج البرجوازية التركية وحزبها السياسي (الاتحاد والترقي) لسياسة (التتريك) الشوفينية ازاء شعوب الامبراطورية العثمانية غداة ظفرها بالسلطة السياسية بعد اسقاطها حكم السلطان عبد الحميد الاقطاعي المطلق عام 1908، فقد  كان الشعور القومي والوطني المتأجج في تلك الايام موجها ايضا ضد سلطة العثمانيين الذين حاولوا استغلال  الشعور الديني  واستثماره، لتحقيق هدف انقاذ سلطتهم المنهارة، في بداية نشوب الحرب. إن اعلان النفير العام (السفربر) في تلك الايام، وزج الجماهير، تحت سيف ارهاب الجندرمة، في نار الحرب ليكونوا وق?داً لها، قد عمق من سخط الجماهير  ونضال قواها الوطنية ضد العثمانيين ومن اجل تصفية سلطتهم.

وفي عهد السيطرة العثمانية وقبل تطور الاحداث السياسية في هذا الاتجاه، كانت تسود مدينة النجف، حرب اهلية دامية عرفت بحوادث (الزقرت) و(الشمرت) دامت طويلاً تشتد وتخبو، ولم يستعر أوار تلك المعارك الاهلية بين سكان النجف آنذاك بمعزل عن دسائس الولاة العثمانيين وسياستهم التي تركت آثارا بليغة في الكيان الاجتماعي للبلاد، برزت على شكل تناقضات طائفية، دينية وقبلية عميقة، وعن تأثير التقاليد القديمة البالية التي كانت اساسها الاجتماعي تخلف البلاد وانغمارها في تيار الجهل والتخلف، وعزلة المدن والمناطق، جراء ضعف التطور الاقتص?دي والاجتماعي للبلاد.

غير ان هذه المعارك والصدامات الدموية، رغم ان ضحاياها كانوا بالاساس، جماهير المدينة، ورغم انها كانت تلتهب على حساب خراب وافقار هذه الجماهير، كانت، من الجانب الاخر، قد نمت وتركت لدى جماهير النجف، منذ تلك الايام، خصالاً وتقاليد خوض المعارك المسلحة، ومراسا لاستعمال الاسلحة النارية، واتباع اساليب العنف والمواقف الحدية إزاء الخصوم. ان الاستقطاب السياسي الذي يميز جماهير النجف هو تعبير، قبل كل شيء، عن تلك التقاليد، مرتبطا بها تطور درجة الوعي الطبقي والسياسي، جراء الانفجار في تيار النضال السياسي والاجتماعي.

ان ذلك الانقسام الحاد في الكيان الاجتماعي لجماهير النجف قد ترك مكانة، تحت تأثير نهوض الحركة الوطنية وتبلور الوعي الوطني في اهداف سياسية واضحة الوحدة، وانسجام قوى الجماهير التي صهرتها نار النضال ضد الغاصبين العثمانيين والمحتليين الانكليز.

وبالارتباط مع هذا التحول النوعي في وجه نضال ووعي الجماهير، تحولت مدينة النجف الى مسرح للنشاط السياسي المتأجج، واصبحت احد مواقع النضال الهامة، متخذة زمام المبادرة في الاشتباك مع السلطة المحلية للعثمانيين عام 1915 في معركة مسلحة اسفرت عن تصفية سلطة الوالي العثماني  لمدينة النجف (بهيج بيك)، وأسر وطرد الجيش العثماني الذي كان يرابط هناك لارهاب و(تأديب) جماهير المدينة بقيادة (عزت بيك)، والاستيلاء على جميع اسلحتهم ومعداتهم، وبناء سلطة شعبية محلية مؤلفة من زعماء المحلات الشعبية والوجوه الاجتماعية، حكمت المدينة طيل? سنتين كاملتين، كانت خلالهما (توزع حاصلات البلاد على الطوائف النجفية، وتتولى شؤون البلاد من مرافعات ومخاصمات وما يلزم كل شيء)(1).

وتحت تأثير هذه التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مدينة النجف، أولى المحتلون الانكليز اهتماما خاصا لهذه المدينة، بعد الانهيار الكامل للسلطة العثمانية، والاحتلال البريطاني للعراق. وقد حاول الحاكم الذي عينه الانكليز لتثبيت سلطة الاحتلال في المدينة، (الكابتن مارشال) ـ وقد وجد امامه سلطة شعبية محلية ألفت على انقاض السلطة العثمانية ـ التقرب من زعماء المدينة ووجوهها الاجتماعية طمعاً لشراء ذمم هؤلاء في مساعدة سلطات الاحتلال لاخضاع المدينة وانزال الاضطهاد بجماهيرها.

وامام هذا الواقع اندفعت القوى الواعية والممتلئة بالحماس الوطني المعادي للاحتلال، للتفكير والعمل من اجل الدفاع عن المدينة وتصفية سلطة الاحتلال الانكليزي منها، انطلاقا من التقاليد التي اوجدها نجاح نضالهم ضد السيطرة العثمانية البائدة. وقد جرى فعلاً تكتيل وتنظيم هذه القوى المعادية للاحتلال وسلطته، من قبل العناصر الوطنية المتأججة حماسا ضد الانكليز. وكانت النواة القائدة للقوى ذات الاستعداد للنضال ضد الانكليز مجموعة من الكادحين الثوريين وفي مقدمتهم (الحاج نجم البقال)، وعدد من رجال الدين والوجوه الاجتماعية. وقد عم? هؤلاء، تحت تأثير الحماس الوطني الملتهب، وقبل تكامل وتوفر مستلزمات النضال الثابت والنجح ضد المحتلين، إشعال نار انتفاضة شعبية وطنية مسلحة في شهر آذار من العام 1918، اصبحت رغم اجهاضها واغراقها بالدم على يد الانكليز، مجدا من امجاد شعبنا الثورية، ورمزا لبطولته وشجاعته وتصميمه على النضال من اجل اهدافه الوطنية.

ونظرا لتشابك أحداث وتفاصيل هذه الانتفاضة، يكون من الافضل في هذا المقال الموجز، تلخيص تتابع سير احداث الانتفاضة وفقا للتسلسل الاتي:

 

تتابع احداث الانتفاضة وتطورها

 

بدأت الانتفاضة المسلحة مع الهجوم الذي شنته فصيلة من الثوار المسلحين بالخناجر والمسدسات والبنادق على مركز الحكومة البريطانية الواقع خارج المدينة، وذلك في فجر يوم 19 آذار عام 1918.

اتخذ الهجوم نتيجة لعدم ارتباطه بتأهب ثوري من قبل الجماهير، طابعاً (بلانكيا) -اذا صح التعبير-(2)، حيث كان الثوار قد لبسوا ملابس الحرس البريطاني (الشبانة) وحملوا كتابا رسميا معنونا الى حاكم النجف البريطاني (مارشال)، وذلك لخدع الحرس الانكليزي بان لديهم عملا رسمياً.

طالب الثوار حارس المركز بالسماح لهم بمواجهة الحاكم (مارشال) لتسليمه الكتاب الحكومي المزعوم. وبسبب من تردد وامتناع الحارس من تلبية طلبهم، اردوه قتيلاً باطلاق النار عليه وجردوه من سلاحه، وكان ذلك يعني الهجوم المباشر على مركز السلطة البريطانية، حيث اشتبكوا مع حراسه في معركة مسلحة انتهت بتحقيق الثوار هدفهم بقتل الحاكم (مارشال)، وانسحابهم من داخل بناية المركز الحكومي (الذي كان عبارة عن خان كبير) بعد ان قتل اثنان من رفاقهم المهاجمين (توفي احدهما متأثراً من جروحه البليغة بعد ايام)، واصابة آخرين بجروح.

كانت جماهير النجف باستثناء قوى وانصار الانتفاضة غير مهيئة ذهنياً لاندلاع نار الانتفاضة المسلحة، لذلك كان الامر مفاجأة لها، ولم تكن تعلم في بدء انفجار الاحداث، مصدر وسبب اطلاق النار. وكان الامر مع الفارق مماثلا بالنسبة لقوى سلطة الاحتلال التي كانت منتشرة في تلك الساعة المتأخرة من الليل، في ارجاء المدينة، ما اثار بينها ارتباكاً وغموضاً ازاء معرفة مصدر وسبب اندلاع نار البنادق!

بعد مقتل (مارشال) مباشرة، توجه الى النجف حاكم (الشامية) البريطاني (بلفور) على رأس قلة من جنود، حيث اعلن حصار وتطويق المدينة تمهيداً للقبض على الثوار. وقد استطاع الثوار في ضحى نفس اليوم من تنظيم  هجوم جديد على مركز الحكومة، حيث حاصروا (بلفور) وحرسه، واحتلوا المدابغ والمسالخ الواقعة قرب المركز، وجرى تبادل اطلاق النار، في محاولة جديدة للاستيلاء على المركز. وتحت جنح الليل، انسحب الثوار من جديد الى مدينتهم.

في يوم 20 آذار دخل تطور الاحداث مجرى كان من شأنه ازدياد وتعمق استقطاب واستنفار قوى الاحتلال البريطاني، حيث ازدادت منذ ظهر هذا اليوم حدة المعارك المسلحة بين الانكليز والثوار الذين اتخذوا ازقة المدينة ومعاقلها مسرحا لعملياتهم الهجومية ضد الانكليز، وضد مركز سلطتهم المحتلة الذي كان يقع خارج المدينة (بين النجف ـ الكوفة) بينما صبّ الانكليز جهدهم الاساسي في تعزيز حصار المدينة باقامة الاسلاك الشائكة حولها، والتحصن في مواقع ملائمة، ومنع الدخول والخروج من المدينة المسورة (3).

في يوم 23 آذار قطع الانكليز الماء عن المدينة كما ومنعوا دخول المؤن اليها. وقد اقترن ذلك بتشديد نطاق حصار الاحتلال حول المدينة بالسيارات المسلحة والرشاشات خاصة بعد ان شرعت سلطات الاحتلال في بغداد بارسال المهمات الحربية والجيوش لاخضاع واحتلال المدينة. ويقدر صاحب كتاب (ماضي النجف وحاضرها) افراد جيش الاحتلال في النجف في تلك الفترة بـ (4,500) جندي بقيادة بلفور.

ومقابل ذلك، وامام نيران سلطات الاحتلال التي كانت تستهدف الانتقام من المدينة ودكها دون تمييز، اصبح الأمر الاساسي بالنسبة لجماهير المدينة الدفاع عن مدينتهم والاستماتة في القتال من اجل تحقيق ذلك. وقد أدى هذا الامر الى نهوض اوسع الجماهير والتفافها حول النواة الثائرة. وقد اقام الثوار المتاريس وحفروا الخنادق (4)، واحتلوا التلال المشرفة التي تحيط بقسم من المدينة وعززوا مواقعهم فيها، وذلك لتوفير مستلزمات الدفاع عن المدينة.

كان من نتائج الحصار الاقتصادي والعسكري المفروض على المدينة ان تناقصت اللحوم والاحطاب (حيث لم يتوفر غيره للطبخ والتدفئة في تلك الايام) وتضاعفت اثمانها (5) وكانت الجماهير في دفاعها عن المدينة، وفي كفاحها من اجل فك حصار المحتلين وتصفية سيطرتهم، تناضل من اجل الخبز والماء. وفي غمرة هذا النضال كان يزداد استبسال الجماهير في معاركها المستميتة لأن ذلك كان يعني بالنسبة لها نضالا من اجل الخبز والماء وضد الجوع والعطش! اما الجماهير العزلاء والنساء فقد كانوا أيضا يناضلون ضد الجوع والعطش. وكان نضالهم هذا يتخذ طابع تشجي? المقاتلين وتقديم العون لهم، وشحذ هممهم. وفي يوم 23 آذار زحف حشد الكادحين الجائعين في تظاهرة نحو بيت العالم الديني البارز السيد كاظم اليزدي والذي كان يتعاطف مع الانكليز حيث هجم المتظاهرون على داره، استغاثة من الجوع. وفي يوم 25 آذار خرجت مظاهرة نسائية وتجمعت في صحن الامام علي، احتجاجا على تطويق وضرب الانكليز للمدينة وما اقترن بذلك من انزال غائلة الجوع والعطش بالجماهير.

وفي غمار معارك الثوار العنيفة في الدفاع عن مدينتهم؛ هذه المعارك التي استطاعت صد هجمات الانكليز لاقتحام المدينة واخضاعها، وامام صمود الثوار حاول الانكليز ـ بالاجتماع على سندهم الاجتماعي داخل المدينة المتمثل بعدد من رجال الدين والوجوه الاجتماعية المتعاطفة مع سلطتهم ـ خدع الثوار وكسر معنوياتهم واضعاف روح الهجوم الثوري لديهم وذلك بحملهم على رفع العلم الابيض رمزاً للاستسلام والتفاوض مع الانكليز. ولكن الثوار وممثلي قوى الانتفاضة اشترطوا ان تسبق المفاوضات لعقد الهدنة مع الانكليز: انسحاب  القوات الانكليزية من ال?جف واعلان حكومة محلية من ابناء النجف واعلان العفو العام من قبل القائد العام عن جميع من اشتركوا في حوادث النجف ورفع الجزية التي فرضها الحاكم العسكري الانكليزي (6). وبالطبع رفض المحتلون الانكليز شروط الثوار هذه، وكان ذلك يعني استمرار المعارك المسلحة واستمرار الحصار الذي كان يجلب  للثوار ولجماهير المدينة تناقص العتاد وتزايد الجوع والعطش.

واعتمد الانكليز خلال ايام القتال والحصار والى جانب هجماتهم لدك المدينة، دون تمييز بوابل نيران البنادق والرشاشات على ارهاب الجماهير بتحليق الطائرات فوق المدينة والقاء المنشورات التي تتضمن شروط الاستسلام (7) ونداءات التهديد.

والجدير بالذكر ان تلك المنشورات كانت قد تضمنت نداء حول (انتصار البريطانيين على الفرات) والذي كان يقصد به انهيار مقاومة فلول الجيوش التركية والألمانية في غربي هيت والفرات في لواء الرمادي. وذلك بقصد زرع اليأس في نفوس الثوار والجماهير عن طريق اظهار وايضاح الانتصار الكامل لسلطة الانكليز في العراق، لاعتبارات تتعلق بتقديرات الانكليز لمنع الثوار من احتمال التفكير في استثمار تناقضات الخصوم.

وامام تزايد نقص عتاد الثوار والمصاعب والآلام التي اوجدها حصار المحتلين للمدينة، قامت العناصر القائدة في الانتفاضة بالعمل على ايجاد مخرج للمأزق الذي كانت تقترب منه الانتفاضة. فقامت الى جانب استمرار المعارك للدفاع عن المدينة بالتوجه للعمل من اجل اضعاف وفك الحصار بفتح معارك جانبية توزع وتبعثر جهد قوى الانكليز وايجاد خط لتراجع الثوار. وقد قام رجال الدين المساهمين والمؤيدين للانتفاضة بتنفيذ هذه المهمة، حيث كتبوا باسمهم عشرات الكتب والفتاوى الدينية يدعون فيها ممثلي قبائل وفلاحي الارياف القريبة من النجف كأبي صخ?ر والشامية والمشخاب للمساهمة في الانتفاضة والهجوم على المراكز الحكومية للانكليز في مناطقهم وقصباتهم واضطرار العدو للتخفيف من نطاق حصاره على النجف. وقد اولت هذه الرسائل اهتماما خاصاً واستثنائياً لمسألة هجوم الفلاحين على قضاء (ابو صخير) وتصفية سلطة الاحتلال فيها لأهمية ذلك في احراز النصر على الانكليز او لضمان خط لتراجع الثوار النجفيين ولكن لأسباب تتعلق بتخطيط وجهة وطابع الانتفاضة بمعزل عن مساهمة الجماهير الواسعة وخاصة الفلاحين، وبمعزل ايضا عن توفر مزاجها واستعدادها الثوريين بصورة عالية، وبتوفر فرص كافية امام?الانكليز بعزل المدينة بعد تطويقها عن فلاحي الارياف القريبة واعتمادهم سياسة ارهاب وتخويف الفلاحين بأزيز الطائرات المحلقة وتفجير المفرقعات، فقد تعذر على الفلاحين وممثليهم المساهمة في انتفاضة النجف ورجع رسول الثوار متخطيا المصاعب والمخاطر، عبر الاسلاك الشائكة التي كان الانكليز قد زرعوها حول المدينة ليعطي ممثلي الانتفاضة اجابات رؤساء القبائل وممثلي الفلاحين، بتعذر القيام بأي عمل يستفيد منه الثوار (8).

وبتزايد مصاعب الثوار وتزايد هجمات الانكليز واستخدامهم مختلف انواع المعدات والاسلحة من طائرات ومدافع ورشاشات وبنادق استطاع الانكليز من التقدم واحتلال التلال المشرفة في جنوبي المدينة والتي كانت تمثل القلعة الرئيسية للثوار، وتحطيم مواقع الثوار الاخرى. وبعد هذا النصر الذي حققه هجوم القوات الانكليزية نشأ اتجاه لدى الثوار بالتراجع ونقل مواقع القتال الى داخل صحن الامام علي، ومقاومة الانكليز من هناك حيث يتعذر على العدو لاعتبارات دينية من ضرب الصحن المقدس الذي سيكون معقلاً حصيناً للثوار.

ولكن الصعاب والآلام التي اوجدها الحصار وقد دام ما يقارب الـ (46) يوما كان قد اوجد امام الانكليز والقوى المتعاطفة معهم داخل المدينة، مجالا للتأثير في معنويات الجماهير، وزرع الخلاف بينها، وتضليلها، بتحميل الثوار والقوى المساندة لها، ما اسفرت عنه تلك المعارك من خراب وجوع وعطش. ان هذا الامر قد ادى عمليا الى تبعثر قوى الثوار، وعزلهم ومن ثم تصفية الانتفاضة المسلحة. إن ذلك قد سهل امام المحتلين الانكليز بصورة افضل فرصة تتبع قادة الانتفاضة والقاء القبض عليهم بالتتابع حيث كان الثوار قد التجأوا للاختفاء عن انظار العد? المحتل في بعض  دور المدينة. وقد جرت محاكمة قادة الانتفاضة بعد اكمال القاء القبض عليهم، من قبل محكمة انكليزية عسكرية  يوم 25 - 5 - 1918 حيث قضت بالحكم بالاعدام شنقاً على (13) ثائراً (9)، وفي مقدمتهم الحاج نجم البقال والشيخ كاظم الصبي ونفي الباقون الى جزيرة (هنجام) في الهند. وفي فجر يوم 31 - 5 - 918 علّق الثوار على اعواد المشانق فكانوا رمزاً للنضال الثوري والبطولة.

واذا كان الامر يتطلب، بعد عرض تتابع احداث هذه الانتفاضة الباسلة تلخيص تجربتها ودروسها واسباب تراجعها وفشلها فان ذلك يتعلق في احدى نقاط الضعف الاساسية  في مسألة التحضير للانتفاضة المسلحة، كانت تكمن ـ بالارتباط مع ضعف التمرس والوعي الذي كان يميز الثوار - في تركيز الاهتمام الاساسي منذ البداية في وجهة مسلحة للنضال والمعارك المستهدفة تصفية سلطة الاحتلال الانكليزي عن المدينة على حساب اهمال ضرورة اقتران هذا الامر بالنهوض والاستعداد الثوريين لدى الجماهير الواسعة عن طريق توثيق روابط النضال معها، وخاصة مع فلاحي الفر?ت الاوسط، ولا يقل ضررا عن هذا الامر تنسيق جهود الثوار مع الفعاليات الدعائية والتعبوية التي كانت تقوم بها آنذاك مختلف قوى الثورة في بغداد، ومدن الفرات الاوسط ومناطق كردستان.

ولا يمكن عزل هذا النقص الذي ادى الى هلاك الانتفاضة المسلحة عن ضعف المراس السياسي، وانعدام النظرية الثورية آنذاك لدى الثوار الذين كانوا يقتحمون العدو انطلاقاً من عواطفهم وروحهم الثورية وحبهم العميق لشعبهم ووطنهم وحقدهم المقدس على الاعداء. ان اهمال ربط اشعال نار الانتفاض المسلح بالنهوض الثوري لدى الجماهير الشعبية قد انعكس - كما مر ذكره في العرض المكثف لتتابع احداث الانتفاضة - في جهل الجماهير الواسعة في المدينة مصدر وسبب اطلاق النيران الكثيفة في صبيحة يوم الانتفاضة، وبالتالي ترددها في الوقوف فورا الى جانب الا?تفاضة والثوار وضد السلطة الانكليزية في المدينة والهجوم عليها، مستفيدة من عامل مباغتتها بهجوم الثوار وذهولها وارتباكها، وتشتت قواها. ان استيعاب وتفهم هذا الشرط الاساسي لنجاح الثورة - لو تم ذلك - كان يجعل سلطة العدو، وجميع امكانياته المادية والحربية، خلال ساعات وجيزة، تحت تصرف الثوار وجماهير النجف، وكانت تخلق اساساً مادياً وصحيحاً لمواصلة الهجوم الثوري والهاب معنويات وحماس الجماهير، ولف جماهير ارياف ومدن الفرات الاوسط القريبة حول الانتفاضة وزجهم في وطيس النضال الثوري ضد الانكليز.

ويتضح كذلك من تتبع سير تطور احداث الانتفاضة المسلحة وصمودها لفترة طويلة نسبياً في مدينة لا يصلح اتخاذها من وجهة نظر قوانين الثورة، ميدانا للنضال والثورة المسلحة. أمر آخر يفسر تلك الروح الهجومية لدى الثوار وجهاديتهم العالية في النضال ضد السيطرة الانكليزية. ان هذا الامر الهام بالطبع لا يمكن عزله عن واقع ان النواة الاساسية للانتفاضة والعناصر القائدة فيها كانت تتألف بالاساس وكما مر بنا سابقاً، من مجموعة من الكادحين الثوريين الذين كانت تشير القابهم للمرتبة الطبقية التي انحدروا منها، كالحاج نجم البقال (10) والشي? كاظم الصبي، وحميد ابو السبزي و(مملوك) - عبد - آل راضي، سعيد، وغيرهم من الذين كانوا يحتفظون برباط الجأش الى الساعات الاخيرة التي سبقت صعودهم على اعواد المشانق.

مصادر البحث

1. مذكرات محمد رضا الشبيبي. (الثقافة الجديدة)، العدد 4.

2. (ماضي النجف وحاضرها) الشيخ جعفر محبوبة. الجزء الاول.

 

 

الهوامش

 

(1) الشيخ جعفر محبوبة (ماضي النجف وحاضرها) . الجزء الاول. 342

(2) نسبة الى بلانكي -  وهو اشتراكي -  ثوري فرنسي عاش في القرن التاسع عشر ، ولم تكن لديه نظرية علمية، فكان يكافح الرأسمالية على اساس دوافع معنوية ومثالية، ويعتقد ـ كما يقول انجلز -  (بان اقلية منظمة تنظيماً حسنا، تحاول القيام في الوقت المناسب بانتفاضة ثورية تستطيع بعد الحصول على النجاحات الاولية، ان تجر الجماهير الشعبية وان تحقق بذلك انتصار الثورة)، ( نقلا عن هامش كتاب الامميات الثلاث الصفحة 32).

(3) كانت المدن محاطة باسوار عالية في العهد العثماني، وذلك لغرض حماية سكانها والدفاع عنها، وكانت ابواب السور  تغلق عادة في الليل وتفتح في النهار. وفي  الوقت الحاضر  يوجد شارع في النجف باسم (شارع السور).

(4) بصدد هذه الناحية تروي مذكرات الشبيبي بانه ( في هذا اليوم جمع النجفيون قدرا صالحا من اكياس  حبال الكتان وملؤوها رملا واتخذوا منها المتاريس، تعلموا ذلك مما شاهدوه في ميادين الحروب  الحديثة) المصدر السابق الصفحة 299 .

(5) في ما يخص المجاعة التي كانت تعاني منها جماهير النجف بسبب الحصار، تروى مذكرات المرحوم محمد رضا الشبيبي، مبلغ تلك المجاعة بما اضطر اقدام الناس عليه، تحت وطأة الجوع في احد الايام، حيث (ذبح بعض الفقراء فيه حمارا واكلوه) كما وقد (تأذن زعماء المتغلبين اي الثوار بلزوم اخراج تجار الحبوب حبوبهم وتعريضها للبيع، والا نهبت وذلك لعموم الشكوى من الجوع. وتكاثر سواج المحاويج حتى مات جوعا بعض المتكففين). وتصف المذكرات ايضا عطش الناس بعد قطع الماء عن المدينة بان من (افظع آثار انقطاع  الماء فقد التجأ الجمهور الى مياه  ?لآبار الملح الزعاق.. وقد بيع حمل الماء العذب بليرة ومجيدي) (الثقافة الجديدة)، العدد 4 الصفحات 300، 304، 309.

(6) مذكرات حميد حبيبان حول ثورة النجف عام 918.

(7) في ما يأتي نص المنشور الانكليزي: ( بعد الغدر بحياة المرحوم الكابتن مارشال الحاكم السامي في النجف الاشرف ابلغت الحكومة البريطانية الفخيمة شروطها الموضوعة على النجف الاشرف في مجلس عقد في اليوم الثاني والعشرين من شهر مارج 1918 المطابق 8 جمادي الثانية 36 وحضره حضرات العلماء الاعلام والشيوخ المخلصون وهاكم بنود الشروط:

أولا: تسليم القتلة ومن اشترك معهم في الفتنة تسليما بلا شروط ولا قيد.

ثانيا: غرامة الف تفكة وخمسين الف روبية يجمعها الشيوخ المخلصون.

ثالثا: تسليم مائة شخص من المحلات الثائرة الى الحكومة البريطانية لسوقهم من النجف الاشرف بصفة اسرى حرب وقد تبلغ ايضا الى من حضروا ان البلدة ستبقى تحت الحصار الشديد الى ان تسلم هذه الشروط وتنفذها.

(8) يذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه (ماضي النجف وحاضرها) بان الثوار كانوا قد بعثوا احد انصارهم (وهو من قبيلة العوابد) يحمل كتب وفتاوى رجال الدين الى رؤساء القبائل والفلاحين للمساهمة في الانتفاضة، ولكن رسول الثورة هذا وقع في يد الانكليز عندما اراد عبور واجتياز الاسلاك الشائكة، واخذ الى المقر العسكري، حيث اخذ الانكليز منه كتب الثوار ونفذوا حكم الاعدام فيه شنقا بصورة مباشرة. ولكن الثوار استطاعوا مباشرة ارسال نسخ من تلك الكتب بيد رسول آخر من ثوار المدينة ( من بني عامر) نجح في ايصال الكتب الى اصحابها والرجوع با?ابات رؤساء القبائل.            

(9) هناك بعض الخلاف حول تحديد عدد الذين اعدموا شنقا وتذكر (مس بيل) ذلك بهذا الشكل في كتابها (فصول من تاريخ العراق الحديث) في الصفحة51 وبصدد ضحايا قوى الثورة، فيذكر كتاب (ماضي النجف وحاضرها) بان عددهم باستثناء الذين اعدموا بلغ 40 شهيداً، وضحايا قوى الاحتلال بلغ 700 قتيل.

(10)  يقول المرحوم الشبيبي في مذكراته واصفا الحاج نجم البقال وجماعته:

الحاج نجم البقال فانه وحده على ما يظهر في عمر الستين وهو اصلع الرأس قليل الدعوى يخضب بالسواد، وكان ثمارا او بقالا، فان النجفيين يدعونه حاج نجم البقال.. اما عصابته فاكثرهم شبان ليسوا من اهل السوابق ولم يسبق لهم ما يدل على مثل هذه الجرأة والاقدام.

يقال ان قائدهم الحاج نجم اختارهم من قليلي الاقوال كثيري الافعال، المصدر السابق الصفحة 720.

 

 

* (الثقافة الجديدة)، العدد 26 / تموز 1971.