جذرية العلاقة بين العلم والفن

تعززها ثورة المعلومات

 

طالب عبد الأمير

 

تسهم التقنية الحديثة لوسائل البحث عن المعلومات وشبكة الاتصالات المعرفية المتطورة في بلورة مفاهيم معاصرة ونسج أواصر علاقات مؤسسة على خلفيات حديثة الاكتشاف، بين مختلف ظواهر النشاط البشري وميادينه المتعددة، كما أننا نلمس في عصرنا الراهن تعددية مجالات النمط العلمي الواحد وتنوع ارتباطاته بالأنشطة الإنسانية المختلفة، كالنشاط الإنساني، على سبيل المثال، أو بالأحرى يجري دمج تخصصات الفروع المختلفة، سواء أكانت ضمن نطاق الميدان الواحد أم بين عدة ميادين وفروع مختلفة، كما هو الحال مع اقتراب المجالات العلمية ـ التقنية من الفروع الإنسانية. إن هذه النظرة تأتي من إعادة قراءة الظواهر بوسائل تقنية أكثر حداثة ورقياً، ونسج خيوط بعضها لردم الهوة بين مفاهيم كانت حتى وقت قريب قوالب جاهزة لا يمكن المساس بها، كالعلاقة بين مفهومي التقنية والفن، على سبيل المثال، أو بصورة أدق بين العلم والفن. فبعدما كانت الهوة سحيقة في فهم العصور السالفة للاختلاف بين هذين النوعين من النشاط البشري، نجد اليوم أن ثمة وعياً يتبلور حول تضييق رقعة هذه الفروق.. فإذا كانت الماكنة قد شكلت، في الماضي، سمة لعصر الصناعة، ووسيلة من وسائل الإنتاج الصناعي الراقي فحسب، فهي في منظور عصر تقنية المعلومات رسالة إعلامية تحمل دلالة هذا العصر الذي نعيش تفاصيله المتسارعة.

هنالك كمّ من الظواهر التي تتم إعادة تفسيرها، أو إعادة ربط علاقاتها في مختبر ثورة المعلومات. ولنأخذ واحدة من أهم تجلياتها الكامنة في علاقة العلم بالفن حيث أسهمت وسائل التقنية الحديثة في تغيير مفاهيمنا حول الفن إلى حد كبير. فلم يعد الرسام اليوم معتمداً، فقط، على قطعة قماش أو لوحة خشب يمرر عليها فرشاته ويسطر فوقها أفكاره وأحاسيسه، بل إن مرسمه، اليوم، أيضاً، هو عبارة عن شاشة عرض إلكترونية يقيم عليها مهرجانه التشكيلي، إذ تتقلص مساحة الصورة التقليدية إلى معبر تمر من خلاله المرئيات في سياقات رقمية مختلفة لا تأخذ حيزاً مكانياً ذا أهمية، بالإضافة إلى ذلك فثمة مفاهيم جديدة أخذت تحل محل تلك التقليدية القديمة.

يشير بعض الباحثين إلى أن تقنية الكومبيوتر اليوم تقترب من الفن أكثر من اقترابها من العلم. ومنذ عدة عقود مضت، أخذت تبرز اتجاهات فنية جديدة تنحو باتجاه تكوين صلة معينة بين الفن والبحوث العلمية القريبة منه، على سبيل المثال العلوم المتعلقة بحركة الأجساد، كما أن ثمة أسئلة علمية بدأت تبرز بحلل جديدة في أروقة النقاشات الأكاديمية تتعلق بهوية بعض فروع النشاط الإنساني وتصنيفاتها، إن كان ينظر إليها كعلم أم كفن، فهل يمكن أن تسمّى عملية الترجمة علماً أم فناً؟ وينطبق هذا الأمر على الإعلام والبلاغة وغيرها. قد يتمكن الإنسان من التوصل إلى الإجابة إذا عرف تحديد معنى المصطلحين، ما المقصود بالعلم وماذا يعني المرء عندما يتحدث عن الفن. إن هذا التشكك، في تعريف المفهومين، جاء بفضل تطور فنية وسائل المعرفة التي أوجدت فضاءات جديدة في مدارك العقل البشري وأثرت في توسيع اتجاهات بحثه، وهذا لم يأت وليد اليوم، بل حدث ذلك منذ عقود عدة، حيث بدأ، ومنذ عام 1958، النظر إلى مسألة تفكيك مفهوم عالم العلوم، وإعادة صياغة عالم الفن وفق أسس جديدة، ومن ثم مدّ جسور العلاقة بينهما. ولكن علمية الفن أو فنية العلم، إن شئتم، واجهت معارضة شديدة من قبل الفنانين قبل الباحثين العلميين.

 

الفن والتكنيك عند دافينشي

ما هي علاقة الفن بالتقنية؟ لا شك في أن ثمة رابطة تفرضها صيرورة العملية الفنية حيث يستخدم الفنان تقنيات مختلفة لخلق نتاجه الفني الجمالي، وبالتالي التوصل إلى روح الطبيعة. وهذا ما اقترب منه (ليوناردو دافينشي) كثيراً، بل يعتبر البعض أعمال هذا الرسام الإيطالي الكبير دليلاً على وحدوية الفن والعلم، رغم أن للعلم إمبراطوريته، إن صح التعبير، وللفن واحته الريانة بالأحاسيس الذاتية. وقد عاش الفنانون زمناً طويلاً في واحتهم الرحبة بعيداً عن مملكة العلماء. ولكن يبدو أن الوقت حان لعقد القران بين المفهومين، ونقل إمبراطورية العلم إلى واحة الفن، والسؤال المطروح هو: لم تم تزاوج الفن والعلم فماذا سيكون الوليد؟ وأي السمات سيتصف بها أكثر من غيرها؟ هل سيأخذ جيناته الأغلب من العلم أكثر أم من الفن؟ ومهما يكن من أمر فلابد لنا من القول بأن التقاء العلم بالفن ليس جديداً، فجذوره تمتد إلى القرن الثامن عشر، حين كان الفن، إبان عصر النهضة، يجسد هويته من خلال علم الطبيعة. وفي منظور تعاليم ذلك العصر تغير الفهم الواقعي للفن، ومن ثم إلى المجتمع بالعمق.

ولو أخذنا التعريف التقليدي للعلم باعتباره مجموعة معارف الإنسان عن الطبيعة والمجتمع والتفكير، وجمعاً منظماً ومثبتاً بالبراهين العملية والأدلة لمختلف الأبحاث المادية التي تدرس ميادين محددة من هذا العالم، فإننا نجده بهذا التعريف قريباً إلى حد ما من تصنيف الفن الذي يعد شكلاً من أشكال انعكاس الواقع المادي في وعي الإنسان، يستمد مادته من العالم المحيط ومن الظواهر والأحداث التي تعصف في المجتمع والطبيعة ويعكسها عبر أساليب وقنوات مختلفة. هنا، إذن، يلتقي العلم بالفن من ناحية صيرورتهما التي يستمدانها من منبعين مشتركين، هما الطبيعة والمجتمع. فللعلم فروعه المتعددة وكذا الفن، وكل منهما يؤدي وظيفة تتلاءم وتعدُّدَ وظائفِ النشاط البشري، ذلك رغم تباينهما في طريقة عكس الظواهر، ففي حين يبرز العلم الظاهرة على شكل مفاهيم وقوانين محددة، يجسدها الفن بشكل حسي ملموس، كنموذج فني تتجلى فيه ميزات فردية خالصة.

 

علاقة العلم والفن في ضوء التاريخ

تاريخياً، كانت علاقة العلم بالفن تبدو وكأنها علاقة بين الأدب والعلم، باعتبار أن الأدب هو أكثر الفنون شيوعاً وأسرعها تأثراً بالواقع الاجتماعي وأغناها فيما يتعلق بتعدد مواده التعبيرية التي تشحن أحاسيس الناس من أجل توصيل رسالته الإنسانية. والعلم من هذه الزاوية أيضاً يخدم حاجات الناس العملية ويمدهم بمعرفة القوانين الموضوعية ويزيد من تفاعلهم مع الطبيعة والاستفادة من مكنوناتها.. إذن فهدف الفن والعلم بهذه الصيغة واحد، وهو تطوير مدارك الإنسان، ورفع مستواه الثقافي والاجتماعي، وبالتالي تغيير العالم، وذلك على الرغم من اختلاف الموقعين، ففي حين تعبر فنية الأدب عن إدراك حسي انفعالي خيالي، يفصح العلم عن إدراك عقلي ملموس. إن تسليط الضوء على هذه العلاقة من هذا الجانب تعيدنا إلى العصور التاريخية التي ظهرت فيها الفلسفة كأقدم علم عرفته البشرية، بل وبأكثر دقة إلى بداية العصر الإغريقي، حيث السؤال التاريخي الكبير الذي جلبته الفلسفة: هل يمكن معرفة العالم؟ لنواصل بعد ذلك الغوص في مكنونات هذا العلم وفهم طبيعة عناصره وتفاعلاتها عبر العصور.

وفي طوفان هذا التفاعل، كان الجدل حول علاقة الفن بالعلم يتجلى في فهم جوهر المعرفة. في فهم طبيعتها وارتباطها بالعلم ومقدار قوة الأواصر التي تربط المعرفة بالفن في ذات الوقت.

وكانت الخلافات التاريخية إزاء هذه العلاقة ترسو قبالة ضفتين: ففي حين شقت اتجاهات تقليدية طريقها بنفي وجود أية علاقة بين الفن والمعرفة وحددت ارتباط المعرفة بالعلم فحسب، برزت في سياق التعمق في فهم عملية المعرفة مدارس تحاول التأكيد على قوة هذه العلاقة. وبين هذين التيارين، وكنتيجة منطقية للعملية الجدلية عندما يبرز الصراع بين فكرين مختلفين حول قضية ما، هنالك التيار الثالث الذي أخذ يراوح في مكانه وهو يعلن تشككه بعلاقة الفن بالمعرفة تارة ويبدي الاقتراب من استيعابها تارة أخرى، حتى أخذ اقترابها وبعدها في هذه العلاقة أشكالاً شتى. ولو تتبعنا في بحث استقرائي تاريخية هذه الظاهرة لتوصلنا إلى أن النزعات والاتجاهات التي انحدرت من أصول الفكر الميتافيزيقي، المثالي هي التي تقر بثنائية العلم والفن وعدم التقائهما، رغم أن ثمة توجهات تتوكأ على سند التحليل المثالي للظواهر حاولت استيعاب هذه العلاقة ولكن بفهم مثالي. ولعل الفيلسوف الإغريقي (سقراط) هو أول من توصل إلى وحدة الفن والعلم، ولكن بفهمه الميتافيزيقي، حيث رأى، من خلال التجريد المنطقي للصفات المشتركة للأشياء، أن المفهوم هو جوهر المعرفة. وهذا الاستنتاج قاده إلى المفاهيم المتعلقة بحياة الإنسان ونشاطه العقلاني، وبشكل خاص نشاطه على صعيد معرفة الذات. وعلى أساس هذا الاكتشاف جاء بموضوعته الشهيرة اعرف نفسك التي انطلقت من معرفته المثالية لمفهوم الجمال وفكرته التي صاغها استناداً على هذا الفهم وجملته الشهيرة إن كل ما هو معقول جميل. فالإحساس بالجمال، حسب رأي سقراط، لا يمكن تلمسه إلا بالعقل، ومعرفة الجمال هي معرفة الحياة، وسقراط ينظر إلى الفن بمقدار معرفته بالحياة، وبما أن للحياة هدفاً معقولاً، فللفن بالضرورة وظيفة معقولة وهدف معين، الفن بجماليته لم يكن في يوم ما تهريجاً بهلوانياً، من هنا لا يجد سقراط في الرقص، على سبيل المثال، فناً إلا من خلال كونه أداءً جميلاً هادفاً إلى تنمية الجسد. والفن من هذه الزاوية يعادل المعرفة في سياق سعيها نحو بلوغ هدفها وأداء رسالتها في الحياة.

ثم يجيء أفلاطون ليقلب بمفهومه المميز للجمال فهم سقراط له ليشير إلى أن الجمال ليس في الفن، بل هو في الحياة ذاتها. كما أنه يرى في علاقة الفن بالمعرفة ثنائية وترابطاً في آن واحد. إن الجمال حسب قول أفلاطون يوجد موضوعياً وبشكل مستقل في وعينا، وعلى هذا الأساس فالجمال الحقيقي لا يكمن في العالم المادي، بل في الأفكار الغيبية. إن هذه النظرة لعلاقة الفن بالعلم تجد جذورها في النظرة المثالية نحو العلم وفي أساليب البحث ودراسة الظواهر الطبيعية والتاريخية التي تنكر دور عملية الصراع والحركة وأسبقية المادة على الوعي وما إلى ذلك.

من جانبها جاءت المادية الديالكتيكية لتدلي بتفسيرها حول الطريق الذي تراه مناسباً لمسير البشرية نحو النمو والتقدم، الخ، باكتشافها قوانينها الخاصة المتعلقة بتطور العالم المادي. فقد ربطت المادية الديالكتيكية والتاريخية بين أهم ظاهرتين في سياق المعرفة وهما العلم والفلسفة، مؤكدة أن تطور العلوم الطبيعية من شأنه توثيق علاقتها وتأثيراتها المتبادلة على الفلسفة. وقد تبنى الفكر الماركسي هذه العلاقة لشموله قوانين الصراع والحركة والتطور.. واستخدمت أسس هذا الفكر كأدوات لمعرفة ظواهر العالم المادي، ولفهم مجمل النشاط الإنساني في سياق العملية التاريخية.

فأكدت الماركسية على جدلية العلاقة بين العلم والفن، متخذة من نظرتها لعلم الجمال منطلقاً لتحليلات هذه العلاقة، عندما تربط بين الفن والواقع بعلاقة معرفية تشكل شرطاً ضرورياً لحياة الفن ذاته.

إن اهتمام علم الجمال الماركسي بعلاقة العلم والفن، من جهة، وعلاقة الفن بالواقع من جهة أخرى، جعل هذا العلم يرى في هذا الترابط استجابة للاستقلالية النسبية للنشاط الفكري في إنجاز عملية الخلق الفني. وذلك بالرغم من تأكيد هذه النظرية على أن الدور الرئيسي في تشكيل الطابع التاريخي للفن يعود إلى القاعدة المادية الاقتصادية، وأن الفن والعلم يشكلان جزءاً من البناء الفوقي الذي يخدم القاعدة.

إن هذه الاستقلالية نجدها عند كارل ماركس عندما يتحدث عن وجود مراحل معينة في تطور العلوم والفنون لا تخضع للتطور الاقتصادي والاجتماعي العام ولا تتطابق مع أسسه المادية. وقد لاحظ ماركس أن الفن قد ازدهر في عصور لم تكن وصلت إلى درجة من التطور المادي العام، وأساليب إنتاجها كانت بدائية. والفن الإغريقي وروائع شكسبير المسرحية، وموسيقى المؤلفين الروس الساحرة في القرن التاسع عشر، ورسوم فناني النهضة وغيرها نماذج حية تدل على عدم وجود حتمية في ارتباط الفنون بتطور القاعدة المادية لاقتصاد المجتمع. وقد عزز الفيلسوف الإنجليزي (فريدريك انجلز) هذه النظرة بقوله إن البلدان المتخلفة اقتصادياً بإمكانها أن تعزف على اللحن الأول في الفلسفة، كشأن فرنسا في القرن الثامن عشر بالنسبة لإنجلترا، إذ اعتمد الفرنسيون على فلسفة الإنجليز. وهكذا الألمان بالنسبة لفرنسا وإنجلترا. إن هذا الكلام، وإن كان يعني الفلسفة بالدرجة الأولى، فبالإمكان تمديده ليشمل الفن أيضاً، لأن الفن والفلسفة يشتركان في كونهما يحملان إنجازات متنوعة لعملية التفكير المنبعث من أشكال الوعي الاجتماعي العليا، ولا يوجد منتوج فني يخلو كلياً من مضمون فكري معين.

هكذا نجد أن ثمة أسساً لترابط العلم والفن، حتى قبل أن تهب عواصف ثورة المعلومات، لكن هذه الثورة أسهمت في تحديد أطر هذا التفاعل والالتقاء وفق مفاهيم أكثر عصرنة وتماشياً مع المتطلبات المستجدة. فكل شيء الآن ينظر إليه من خلال عدسة المعلوماتية وثورة تقنية المعلومات.